كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٧٩ - باب القرد و الغيلم
على الحمار. قال: يا سيّد السّباع أعجزت إلى هذه الغاية؟فقال له: إن جئتني به مرّة أخرى فلن ينجو منّي أبدا. فمضى ابن آوى إلى الحمار فقال له: ما الذي جرى عليك، إنّ الأتان لشدّة غلمتها [١] و هيجانها و ثبت عليك و لو ثبتّ لها للانت لك.
فلمّا سمع الحمار ذلك هاجت غلمته و نهق و أخذ طريقه إلى الأسد، فسبقه ابن آوى إلى الأسد و أعلمه بمكانه و قال له: استعدّ له فقد خدعته لك فلا يدركنّك الضّعف في هذه النّوبة [٢] فإنّه إن أفلت لن يعود معي أبدا. فجاش جأش الأسد [٣] لتحريض ابن آوى له و خرج إلى موضع الحمار فلمّا بصر به عاجله بوثبة افترسه بها. ثمّ قال: قد ذكرت الأطبّاء أنّه لا يؤكل إلاّ بعد الغسل و الطّهور فاحتفظ به حتّى أعود فآكل قلبه و أذنيه و أترك ما سوى ذلك قوتا لك. فلمّا ذهب الأسد ليغتسل عمد ابن آوى إلى الحمار فأكل قلبه و أذنيه رجاء أن يتطيّر [٤] الأسد منه فلا يأكل منه شيئا. ثمّ إنّ الأسد رجع إلى مكانه فقال لابن آوى: أين قلب الحمار و أذناه؟قال ابن آوى: أ و لم تعلم أنّه لو كان له قلب و أذنان لم يرجع اليك بعد ما أفلت و نجا من الهلكة.
و إنّما ضربت لك هذا المثل لتعلم أني لست كذلك الحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب و لا أذنان. و لكنّك احتلت عليّ و خدعتني فخدعتك بمثل خديعتك فاستدركت فارط أمري، و قد قيل إنّ الذي يفسده الحلم لا يصلحه الاّ العلم. قال الغيلم: صدقت إلاّ أنّ الرّجل الصّالح يعترف بزلّته و إذا أذنب ذنبا لم يستحي أن يؤدّب لصدقه في قوله و فعله، و إن وقع في ورطة أمكنه التخلّص منها بحيلته و عقله كالرّجل الذي يعثر على الأرض ثمّ ينهض عليها معتمدا.
فهذا مثل الذي يطلب الحاجة فإذا ظفر بها أضاعها.
[١] الغلمة: شدة الشهوة.
[٢] النوبة: المرة.
[٣] جاش: هاج. و الجأش: النفس.
[٤] يتطير: يتشاءم.