كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٣٢ - باب مقدمة الكتاب
و طاعة الملوك في أمورهم، و قد اختبرت منك ذلك و اخترت أن تضع هذا الكتاب و تعمل فيه فكرك و تجهد فيه نفسك بغاية ما تجد إليه السّبيل، و ليكن مشتملا على الجدّ و الهزل و اللّهو و الحكمة و الفلسفة، فكفّر له بيدبا و سجد و قال: قد أجبت الملك أدام اللّه أيّامه إلى ما أمرني به و جعلت بيني و بينه أجلا [١] ، قال: و كم الأجل، قال: سنة، قال: قد أجّلتك.. و أمر له بجائزة سنيّة تعينه على عمل الكتاب فبقي بيدبا مفكّرا في الأخذ فيه و في أيّ صورة يبتدئ بها فيه و في وضعه.
ثمّ إنّ بيدبا جمع تلاميذه و قال لهم: إنّ الملك قد ندبني إلى أمر فيه فخري و فخركم و فخر بلادكم و قد جمعتكم لهذا الأمر.. ثمّ وصف لهم ما سأل الملك من أمر الكتاب و الغرض الذي قصد فيه فلم يقع لهم الفكر فيه. فلمّا لم يجد عندهم ما يريده فكّر بفضل حكمته أنّ ذلك أمر إنّما يتمّ باستفراغ العقل و إعمال الفكر، و قال: أرى السّفينة لا تجري في البحر إلاّ بالملاّحين [٢] لأنّهم يعدّلونها، و إنّما تسلك اللجّة [٣] بمدبّرها الذي تفرّد بإمرتها [٤] ، و متى شحنت بالرّكاب الكثيرين و كثر ملاّحوها لم يؤمن عليها من الغرق. و لم يزل يفكّر فيما يعمله في باب الكتاب حتى وضعه على الانفراد بنفسه مع رجل من تلاميذه كان يثق به فخلا به منفردا معه بعد أن أعدّ [٥] شيئا من الورق الذي كانت تكتب فيه الهند، و من القوت ما يقوم به و بتلميذه تلك المدّة و جلسا في مقصورة [٦] و ردّا عليهما الباب، ثم بدأ في نظم الكتاب و تصنيفه و لم يزل هو يملي و تلميذه يكتب و يرجع هو فيه حتّى استقرّ الكتاب على غاية الإتقان و الإحكام، و رتّب فيه خمسة عشر بابا كلّ باب منها قائم بنفسه و في كلّ باب مسألة و الجواب عنها ليكون لمن نظر فيه حظّ [٧] من التّبصرة و الهداية، و ضمّن تلك
[١] الأجل: الموعد.
[٢] الملاحون: البحارة الذين تجري بهم السفينة.
[٣] اللجة: معظم الماء.
[٤] الإمرة: الولاية.
[٥] أعد: هيأ.
[٦] المقصورة: الحجرة.
[٧] حظ: نصيب.