كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٢ - قيمة الكتاب الأدبية
و تجد في الكتاب مكانا رحبا لما يجب أن يأخذ به السلطان نفسه من حلم و عقل، و تجنب للغضب، و حفظ للعهد و الوفاء و وضع المعروف و الاحسان في موضعهما، و حسن السيرة، و اختيار الصالح من الأعوان و الحرص على أهل الثقة منهم، و استشارة أصحاب الرأي، و العدل بين الرعية، و حسن السياسة الخارجية، و تقديم السلم على الحرب، و التعاون مع من يحق التعاون معهم من سفراء و ولاة و عمال..
و من هذا يبدو الكتاب في موضوعاته و فصوله واضحا بينا لا يعدو كونه قصة أو قصصا أخلاقية كما قدمنا، تدعو للأخذ بمكارم الأخلاق، و تنصح الملوك بمثل ذلك و أكثر، ليظل ملكهم ثابت الأركان قائم البنيان.. و لكنها قصة فيها من المعاني الانسانية و اللقطات الفلسفية، و المثل الأخلاقية العالية ما يجعلها من الآثار الخالدة، لا تقل في موضوعاتها و عمق معانيها و بعد أغوارها، عن قصص شكسبير المسرحية، التي ليست في الواقع و في جوهرها غير أساطير مما سمع أو قرأ، فأجراها شعرا و نظمها مسرحيات انسانية خلدت و ستخلد، الى آخر ما يكون من ذريتنا..
و كليلة و دمنة ليست في نظري أقل من «فوست» لغوته الالماني، ففيها ما في «فوست» من المعاني الفلسفية و اللفتات الانسانية، و المرامي الأخلاقية، قرأها رجال من مختلف الجنسيات طوال المئات من الأعوام التي تقطعت على كتابتها، و سيقرؤها مثلهم، الى آخر الدنيا..
كتاب فيه من كنوز الحكمة المشرقية، ما لا يوجد في كتاب مثله.. كما اجتمع في دفتيه من الفضائل و العبر و الحكم و الأمثال ما لم يجتمع في كتاب مثله حجما حتى الآن..
و لا بد أن ابن المقفع قد جمع في كتابه أدب الشرق و حكمه، و فلسفة الاغريق و نظمهم.. و رجل مثله لا بد قد اطّلع على الآثار اليونانية في الفلسفة و المنطق، و قد ذكر بعض المؤرخين انه ترجم بعض كتب الاغريق الى الفارسية، و ان شكّ آخرون في ذلك..
و سواء أ كان قد ترجم بعض الآثار اليونانية أو لم يفعل، فلا بد أنه قرأ بعض هذه الآثار مما صار ترجمته في عهده، و قبل عهده، لأن العقل اليوناني ظاهر بارز في تقسيم الكتاب و منطقه.
قيمة الكتاب الأدبية
أما قيمة الكتاب الأدبية ففي أسلوبه الأدبي الذي بلغ الغاية من حيث الوضوح و الجزالة و الليونة و إرسال الكلام إرسالا كالبحر يجري لا متعثرا و لا مترددا.. ينثر الحكمة هنا، و المعرفة هناك، و المثل الرائع هنالك في أسهل لفظ، و أجمل أسلوب، و أنبل