كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٥٤ - باب البوم و الغربان
بمكاننا و هنّ عائدات إلينا غير منقطعات عنّا لعلمهنّ بمكاننا فإنّما نحن لك أيّها الملك و لك الرّأي فانظر لنا و لنفسك. و كان في الغربان خمسة معترف لهنّ بحسن الرّأي يستند إليهنّ في الأمور و تلقى إليهنّ أزمّة [١] الأحوال، و كان الملك كثيرا ما يشاورهنّ في الأمور و يأخذ آراءهنّ في الحوادث و النّوازل. فقال الملك للأوّل من الخمسة: ما رأيك في هذا الأمر؟قال: رأي قد سبقنا إليه العلماء، و ذلك أنّهم قالوا: ليس للعدوّ الحنق [٢] الذي لا طاقة لك به إلاّ الهرب منه. قال الملك للثاني: ما رأيك أنت في هذا الأمر؟قال: رأيي ما رأي هذا من الهرب. قال الملك: لا أرى لكما ذلك رأيا، أن نرحل عن أوطاننا و نخليها لعدوّنا من أوّل نكبة أصابتنا منه و لا ينبغي لنا ذلك، و لكن نجمع أمرنا و نستعدّ لعدوّنا و نذكي نار الحرب فيما بيننا و بين عدوّنا و نحترس من الغرّة [٣] إذا أقبل إلينا فنلقاه مستعدّين و نقاتله قتالا غير مراجعين فيه و لا حامين عنه [٤] و تلقى أطرافنا أطراف العدوّ و نتحرّز بحصوننا و ندافع عدوّنا بالأناة مرّة و بالجلاد أخرى [٥] حيث نصيب فرصتنا و بغيتنا، و قد ثنينا [٦] عدوّنا عنّا.
ثمّ قال الملك للثّالث: ما رأيك أنت؟قال: لا أرى ما قالا رأيا، و لكن نبثّ العيون [٧] و نبعث الجواسيس و نرسل الطّلائع [٨] بيننا و بين عدوّنا فنعلم هل يريد صلحنا أم يريد حربنا أم يريد الفدية فإن رأينا أمره أمر طامع في مال لم نكره
[١] الأزمة جـ زمام.
[٢] الحنق: الشديد الغيظ.
[٣] الغرة (بالكسر) : الغفلة.
[٤] أي ناكصين.
[٥] الأناة: التأني. و الجلاد: الشدة و القوة.
[٦] ثنينا: صرفنا.
[٧] نبث العيون: أي نفرق الرقباء.
[٨] الطلائع: القوم يبعثون أمام الجيش واحدها طليعة.