كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٥٨ - باب غرض الكتاب لعبد اللّه بن المقفّع معرّب هذا الكتاب
أيضا فتذبح.
و قد يقال إنّ اللّه تعالى قد جعل لكلّ شيء حدّا يوقف عليه، و من تجاوز في الأشياء حدّها أو شك أن يلحقه التّقصير عن بلوغها، و يقال من كان سعيه لآخرته و دنياه فحياته له و عليه، و من كان سعيه لدنياه خاصّة فحياته عليه. و يقال في ثلاثة أشياء يجب على صاحب الدنيا إصلاحها و بذل جهده فيها، منها أمر معيشته، و منها ما بينه و بين النّاس، و منها ما يكسبه الذّكر الجميل بعده، و قد قيل في أمور من كنّ فيه لم يستقم له عمل، منها التّواني [١] ، و منها تضييع الفرص، و منها التّصديق لكلّ مخبر، و ربّ مخبر بشيء عقله و لا يعرف استقامته فيصدّقه، و الذي يفعل ذلك من النّاس ثلاثة:
رجل يصدّق بما جرّبه غيره و صدّقه فيصدّقه هو و يتمادى في التّصديق حتّى كأنّما جرّبه بنفسه، و رجل يصدّق بالأمور الّتي جرّبها و لكن عن غير علم بحقيقتها، و رجل تلتبس عليه الأمور فيصدّق بها، و ينبغي للعاقل أن يكون لهواه متّهما [٢] و لا يقبل من كلّ أحد حديثا و لا يتمادى في الخطإ إذا التبس عليه أمره حتى يتبيّن له الصواب و تتضح له الحقيقة و لا يكون كالرّجل الذي يجور [٣] عن الطّريق فيستمرّ على الضلال فلا يزداد في السّير إلاّ جهدا، و عن القصد إلاّ بعدا، و كالرّجل الذي تقذى عينه [٤] فلا يزال يحكّها حتى ربّما كان ذلك الحكّ سببا لذهابها، و يجب على العاقل أن يصدّق بالقضاء و القدر و يأخذ بالحزم و يحبّ للنّاس ما يحبّ لنفسه و لا يلتمس صلاح نفسه بفساد غيره، فإنّ من فعل ذلك كان خليقا أن يصيبه ما أصاب التّاجر من رفيقه، فإنّه يقال: إنّه كان رجل تاجر و كان له شريك فاستأجرا حانوتا [٥] و جعلا متاعهما فيه، و كان أحدهما قريب المنزل من الحانوت فأضمر في نفسه أن يسرق عدلا من أعدال رفيقه و مكر الحيلة في ذلك،
[١] التواني: الضعف و الفتور.
[٢] متهما: شاكا في صدقه.
[٣] يجور: يميل.
[٤] تقذى عينه: أي أصابها قذى و هو الوسخ.
[٥] الحانوت: الدكان.