كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٨٣ - باب الأسد و الثور
الطّيبة و الجواهر النّفيسة و الأدوية النافعة و هو مع ذلك معدن السّباع و النّمور و الذئاب و كلّ ضارّ مخوف، فالارتقاء إليه شديد و المقام فيه أشدّ، قال دمنة: صدقت فيما ذكرت غير أنه من لم يركب الأهوال لم ينل الرّغائب و من ترك الأمر الذي لعله يبلغ فيه حاجته هيبة و مخافة لما لعلّه أن يتوقّاه فليس ببالغ جسيما، و قد قيل إنّ خصالا ثلاثة لن يستطيعها أحد إلاّ بمعونة من علوّ همّة و عظيم خطر منها صحبة السّلطان و تجارة البحر و مناجزة العدوّ، و قد قالت العلماء في الرّجل الفاضل الرّشيد إنّه لا ينبغي أن يرى إلاّ في مكانين و لا يليق به غيرهما إمّا مع الملوك مكرّما أو مع النّسّاك متعبّدا، كالفيل إنما جماله و بهاؤه في مكانين إمّا أن تراه وحشيّا أو مركبا للملوك، قال كليلة:
خار اللّه لك [١] فيما عزمت عليه.
ثمّ إنّ دمنة انطلق حتّى دخل على الأسد فعفّر وجهه [٢] بين يديه و سلّم عليه، فقال الأسد لبعض جلسائه: من هذا، فقال: فلان ابن فلان، قال: قد كنت أعرف أباه، ثمّ سأله أين تكون؟قال: لم أزل مرابطا بباب الملك رجاء أن يحضر أمر فأعين الملك فيه بنفسي و رأيي، فإنّ أبواب الملوك تكثر فيها الأمور التي ربّما يحتاج فيها إلى الذي لا يؤبه [٣] به و ليس أحد يصغر أمره إلاّ و قد يكون عنده بعض الغناء و المنافع على قدره حتى العود الملقى في الأرض ربّما نفع فيأخذه الرّجل فيكون عدّته عند الحاجة إليه.
فلمّا سمع الأسد قول دمنة أعجبه و ظنّ عنده نصيحة و رأيا فأقبل على من حضر فقال: إنّ الرجل ذا النبل [٤] و المروءة يكون خامل الذّكر منخفض المنزلة، فتأبى منزلته إلاّ أن تشبّ و ترتفع كالشّعلة من النّار يضربها صاحبها و تأبى إلاّ ارتفاعا.
[١] خار الله لك: أي جعل لك فيه الخير.
[٢] عفر وجهه: مرغه.
[٣] يؤبه: من أبه به أبها فطن أو نسي ثم تفطن له.
[٤] النبل: الذكاء و النجابة.