كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٦٨ - باب البوم و الغربان
على من هو أقوى منّي الجرذ الذي لا أستطيع الامتناع منه إذا خرقني و اتّخذني مسكنا. فانطلق النّاسك إلى الجرذ فقال له: هل أنت متزوّج هذه الجارية فقال:
و كيف أتزوّجها و جحري ضيّق، و إنّما يتزوّج الجرذ الفأرة، فدعا النّاسك ربّه أن يحوّلها فأرة كما كانت و ذلك برضى الجارية. فأعادها اللّه إلى عنصرها [١] الأوّل فانطلقت مع الجرذ.
فهذا مثلك أيّها المخادع. فلم يلتفت ملك البوم إلى ذلك القول و رفق بالغراب و لم يزدد له إلاّ إكراما، حتّى إذا طاب عيشه و نبت ريشه و اطّلع على ما أراد أن يطّلع عليه راغ روغة [٢] فأتى أصحابه بما رأى و سمع، فقال للملك: إني قد فرغت ممّا كنت أريد و لم يبق إلاّ أن تسمع و تطيع. قال له: أنا و الجند تحت أمرك فاحتكم كيف شئت. قال الغراب: إنّ البوم بمكان كذا في جبل كثير الحطب، و في ذلك الموضع قطيع من الغنم مع رجل راع و نحن مصيبون [٣] هناك نارا و نلقيها في أنقاب البوم و نقذف عليها من يابس الحطب و نروّح عليها ضربا بأجنحتنا حتى تضطرم النّار في الحطب، فمن خرج منهنّ احترق و من لم يخرج مات بالدخان موضعه، ففعل الغربان ذلك فأهلكن البوم قاطبة و رجعن إلى منازلهنّ سالمات آمنات.
ثمّ إنّ ملك الغربان قال لذلك الغراب: كيف صبرت على صحبة البوم و لا صبر للأخيار على صحبة الأشرار؟قال الغراب: إنّ ما قلته أيّها الملك لكذلك، و لكنّ العاقل إذا أتاه الأمر الفظيع العظيم الذي يخاف من عدم تحمّله الجائحة [٤]
[١] عنصرها: أصلها.
[٢] راغ روغة: قام بحيلة ماكرة و خديعة.
[٣] مصيبون: واجدون.
[٤] الجائحة: الشدة العظيمة.