كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٥٩ - باب البوم و الغربان
قال الغراب: كان لي جار من الصّفارد في أصل شجرة قريبة من و كري، و كان يكثر مواصلتي، ثمّ فقدته فلم أعلم أين غاب و طالت غيبته عنّي. فجاءت أرنب إلى مكان الصّفرد فسكنته فكرهت أن أخاصم الأرنب فلبثت فيه زمانا. ثمّ إنّ الصّفرد عاد بعد زمان فأتى منزله فوجد فيه الأرنب، فقال لها: هذا المكان لي فانتقلي منه، قالت الأرنب: المسكن لي و تحت يدي و أنت مدّع له، فإن كان لك حقّ فاستعد عليّ [١] . قال الصّفرد: القاضي منّا قريب فهلمّي بنا إليه، قالت الأرنب: و من القاضي؟قال الصّفرد: إنّ بساحل البحر سنّورا متعبّدا يصوم النهار و يقوم الليل كلّه و لا يؤذي دابّة و لا يهريق [٢] دما، عيشه من الحشيش و ممّا يقذفه إليه البحر، فإن أحببت تحاكمنا إليه و رضينا به. قالت الأرنب: ما أرضاني به إذا كان كما وصفت فانطلقا إليه. فتبعتهما لأنظر إلى حكومة الصّوّام، ثمّ إنّهما ذهبا إليه فلمّا بصر السّنّور بالأرنب و الصّفرد مقبلين نحوه انتصب قائما يصلّي و أظهر الخشوع و التّنسّك.
فعجبا لما رأيا من حاله و دنوا منه هائبين له و سلّما عليه و سألاه أن يقضي بينهما، فأمرهما أن يقصّا عليه القصّة ففعلا، قال لهما: قد بلغني الكبر و ثقلت أذناي [٣] فادنوا مني فأسمعاني ما تقولان، فدنوا منه و أعادا عليه القصّة و سألاه الحكم، فقال: قد فهمت ما قلتما و أنا مبتدئكما بالنّصيحة قبل الحكومة بينكما فأنا آمركما بتقوى اللّه، و أن لا تطلبا إلاّ الحقّ، فإنّ طالب الحقّ هو الذي يفلح و إن قضي عليه و طالب الباطل مخصوم [٤] و إن قضي له، و ليس لصاحب الدّنيا من دنياه شيء لا مال و لا صديق سوى العمل الصّالح يقدّمه. فذو العقل حقيق أن يكون
[١] استعد على: أي استعن.
[٢] يهريق: يريق.
[٣] ثقلت أذناي: أي ضعف سمعي.
[٤] مخصوم: مغلوب بالخصام.