كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١١٦ - باب الأسد و الثور
يكون له منها غير اللّدغ، و قد يقال: الزم ذا العقل و ذا الكرم و استرسل إليهما و إيّاك مفارقتهما، و اصحب الصّاحب إذا كان عاقلا كريما أو عاقلا غير كريم أو كريما غير عاقل فالعاقل الكريم كامل، و العاقل غير الكريم اصحبه و إن كان غير محمود الخليقة [١] و احذر من سوء أخلاقه و انتفع بعقله، و الكريم غير العاقل الزمه و لا تدع مواصلته و إن كنت لا تحمد عقله و انتفع بكرمه و انفعه بعقلك، و الفرار كلّ الفرار من اللّئيم الأحمق، و إني بالفرار منك لجدير، و كيف يرجو إخوانك عندك كرما و ودّا، و قد صنعت بملكك الذي أكرمك و شرّفك ما صنعت و إنّ مثلك مثل التّاجر الذي قال:
إنّ أرضا تأكل جرذانها مائة منّ [٢] حديدا، ليس بمستنكر على بزّاتها [٣] أن تختطف الأفيلة. قال دمنة: و كيف كان ذلك؟
قال كليلة: زعموا أنه كان بأرض كذا تاجر، فأراد الخروج إلى بعض الوجوه لابتغاء الرّزق، و كان عنده مائة منّ حديدا فأودعها رجلا من إخوانه و ذهب في وجهه، ثمّ قدم بعد ذلك بمدّة فجاء و التمس الحديد، فقال له: إنّه قد أكلته الجرذان.
فقال: قد سمعت أنه لا شيء أقطع من أنيابها للحديد، ففرح الرّجل بتصديقه على ما قال و ادّعى، ثمّ إنّ التّاجر خرج فلقي ابنا للرّجل فأخذه و ذهب به إلى منزله، ثمّ رجع إليه الرّجل من الغد فقال له: هل عندك علم بابني؟فقال له التّاجر: إني لما خرجت من عندك بالأمس رأيت بازيا قد اختطف صبيّا و لعله ابنك، فلطم الرّجل رأسه و قال: يا قوم هل سمعتم أو رأيتم أنّ البزاة تختطف الصّبيان، فقال: نعم و إنّ أرضا تأكل جرذانها مائة منّ حديدا ليس بعجب أن تختطف بزاتها الفيلة، قال له الرّجل: أنا أكلت حديدك و هذا ثمنه فاردد عليّ ابني.
[١] الخليقة: الطبيعة.
[٢] المن: رطلان.
[٣] بزاتها جـ بازي: و هو طائر معروف. و الأفيلة جـ فيل.