كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٧٦ - باب القرد و الغيلم
و طالت غيبة الغيلم عن زوجته فجزعت [١] عليه و شكت ذلك إلى جارة لها و قالت: قد خفت أن يكون قد عرض له عارض سوء فاغتاله [٢] ، قالت لها: إنّ زوجك في السّاحل قد ألف قردا و ألفه القرد فهو مؤاكله و مشاربه و هو الذي قطعه عنك و لا يقدر أن يقيم عندك حتّى تحتالي لهلاك القرد. قالت: و كيف أصنع؟قالت جارتها: إذا وصل إليك فتمارضي [٣] فإذا سألك عن حالك فقولي إنّ الحكماء وصفوا لي قلب قرد، ثمّ إنّ الغيلم انطلق بعد مدّة إلى منزله فوجد زوجته سيّئة الحال مهمومة، فقال لها: ما لي أراك هكذا؟فأجابته جارتها و قالت: إنّ زوجتك مريضة مسكينة، و قد وصف لها الأطبّاء قلب قرد و ليس لها دواء سواه.
قال الغيلم: هذا أمر عسير من أين لنا قلب قرد و نحن في الماء، و لكن سأحتال لصديقي. ثمّ انطلق إلى ساحل البحر فقال له القرد: يا أخي ما حبسك عنّي؟قال له الغيلم: ما حبسني عنك إلاّ حيائي فلم أعرف كيف أجازيك على إحسانك إليّ، و أريد أن تتمّ إحسانك إليّ بزيارتك لي في منزلي فإني ساكن في جزيرة طيّبة الفاكهة، فاركب ظهري لأسبح بك، فرغب القرد في ذلك و نزل فركب ظهر الغيلم فسبح به حتّى إذا تغلغل في الماء عرض له قبح ما أضمر في نفسه من الغدر فنكس رأسه.
قال له القرد: ما لي أراك مهتمّا؟قال الغيلم: إنّما همّي لأنّي ذكرت أنّ زوجتي شديدة المرض و ذلك يمنعني من كثير ممّا أريد أن أبلغه من كرامتك و ملاطفتك. قال القرد: إنّ الذي أعرف من حرصك على كرامتي يكفيك مئونة التكلّف، قال الغيلم: أجل [٤] . و مضى بالقرد ساعة ثمّ توقّف به ثانية، فساء ظنّ
[١] جزعت: قلقت.
[٢] اغتاله: أهلكه.
[٣] تمارضي: اظهري انك مريضة.
[٤] أجل: جواب مثل نعم. قال الأخفش هو أحسن من نعم في التصديق، و نعم أحسن منه في الاستفهام.