كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٦٢ - باب البوم و الغربان
الذي جلبت به العداوة و البغضاء على نفسي و قومي و ليتني لم أخبر الكراكيّ بهذه الحال و لم أعلمها بهذا الأمر، و لعلّ أكثر الطّير قد رأى أكثر ممّا رأيت و علم أضعاف ما علمت فمنعها من الكلام بمثل ما تكلّمت اتّقاء ما لم أتّق و النّظر فيما لم أنظر فيه من حذار العواقب، لا سيّما إذا كان الكلام أفظع كلام يلقى منه سامعه و قائله المكروه ممّا يورث الحقد و الضغينة، فلا ينبغي لأشباه هذا الكلام أن يسمّى كلاما و لكن سهاما، و العاقل و إن كان واثقا بقوّته و فضله لا ينبغي أن يحمله ذلك على أن يجلب العداوة لنفسه اتّكالا على ما عنده من الرّأي و القوّة كما أنّه و إن كان عنده التّرياق لا ينبغي له أن يشرب السّمّ اتّكالا على ما عنده، و صاحب حسن العمل و إن قصّر به القول في مستقبل الأمر كان فضله بيّنا واضحا في العاقبة و الاختيار.
و صاحب حسن القول و إن أعجب النّاس منه حسن صفته للأمور لم تحمد عاقبة أمره و أنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة، أ ليس من سفهي اجترائي على التكلّم في الأمر الجسيم لا أستشير فيه أحدا و لم أعمل فيه رأيا و من لم يستشر النّصحاء الأولياء و عمل برأيه من غير تكرار النّظر و الرّويّة لم يغتبط [١] بمواقع رأيه، فما كان أغناني عمّا كسبت يومي هذا و ما وقعت فيه من الهمّ.. و عاتب الغراب نفسه بهذا الكلام و أشباهه و ذهب.
فهذا ما سألتني عنه من ابتداء العداوة بيننا و بين البوم، و أمّا القتال فقد علمت رأيي فيه و كراهتي له و لكنّ عندي من الرّأي و الحيلة غير القتال ما يكون فيه الفرج إن شاء اللّه تعالى، فإنّه ربّ قوم قد احتالوا بآرائهم حتى ظفروا بما أرادوا، و من ذلك حديث الجماعة الذين ظفروا بالنّاسك و أخذوا عريضه [٢] . قال الملك: و كيف كان
[١] لم يغتبط: لم يسر.
[٢] العريض: ما أتى عليه سنة من المعز.