كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٦٤ - باب البوم و الغربان
ملك الغربان و صاحب رأيه فنسأله بأيّ ذنب صنع به ما صنع، فسئل الغراب عن أمره، فقال إنّ ملكنا استشار جماعتنا فيكنّ و كنت يومئذ بمحضر من الأمر [١] فقال:
أيّها الغربان ما ترون في ذلك؟فقلت: أيّها الملك لا طاقة لنا بقتال البوم لأنّهنّ أشدّ بطشا و أحدّ قلبا منّا، و لكن أرى أن نلتمس الصّلح ثمّ نبذل الفدية في ذلك فإن قبلت البوم ذلك منّا و إلاّ هربنا في البلاد، و إذا كان القتال بيننا و بين البوم كان خيرا لهنّ و شرّا لنا، فالصّلح أفضل من الخصومة، و أمرتهنّ بالرّجوع عن الحرب و ضربت لهنّ الأمثال في ذلك، و قلت لهنّ إنّ العدوّ الشّديد لا يردّ بأسه و غضبه مثل الخضوع له، أ لا ترين إلى الحشيش كيف يسلم من عاصف الرّيح للينه و ميله معها حيث مالت فعصينني في ذلك و زعمن أنّهنّ يردن القتال و اتهمنني فيما قلت، و قلن إنك قد مالأت البوم علينا [٢] و رددن قولي و نصيحتي و عذّبنني بهذا العذاب و تركني الملك و جنوده و ارتحل و لا علم لي بهنّ بعد ذلك.
فلمّا سمع ملك البوم مقالة الغراب قال لبعض وزرائه: ما تقول في الغراب و ما ترى فيه؟قال: ما أرى إلاّ المعاجلة له بالقتل فإنّ هذا أفضل عدد الغربان [٣] و في قتله لنا راحة من مكره و فقده على الغربان شديد، و يقال من ظفر بالسّاعة التي فيها ينجح العمل ثمّ لا يعاجله بالذي ينبغي له فليس بحكيم، و من طلب الأمر الجسيم فأمكنه ذلك فأغفله [٤] فاته الأمر، و هو خليق أن لا تعود الفرصة ثانية، و من وجد عدوّه ضعيفا و لم ينجز [٥] قتله ندم إذا استقوى و لم يقدر عليه. قال الملك لوزير آخر: ما ترى أنت في هذا الغراب؟قال: أرى أن لا تقتله، فإنّ العدوّ الذي لا
[١] بمحضر من الأمر: أي بمشهد.
[٢] مالأت: من مالأه على كذا ممالأة: ساعده.
[٣] عدد: جمع عدة و هو ما أعددته لحوادث الدهر.
[٤] أغفله: تركه.
[٥] ينجز: يعجل.
غ