كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٢٠ - باب الفحص عن أمر دمنة
عليه، و على جملة الأمر. فأخبرته بجميع ما ألقاه إليها النمر من غير أن تخبره باسمه و قالت: إني لم أجهل قول العلماء في تعظيم العقوبة و تشديدها و ما يدخل على الرّجل من العار في إذاعة الأسرار، و لكني أحببت أن أخبرك بما فيه المصلحة لك، و إن وصل خطأه و ضرره إلى العامّة فإصرارهم على خيانة الملك ممّا لا يدفع الشّرّ عنهم و به تحتجّ السّفهاء [١] و يدخلون الشّبهة على أعمالهم القبيحة، و أشدّ معارّهم [٢] إقدامهم على ذي الحزم.
فلمّا قصّت أمّ الأسد هذا الكلام استدعى الأسد أصحابه و جنده فأدخلوا عليه، فلما وقف دمنة بين يدي الأسد و رأى ما هو عليه من الحزن و الكآبة، التفت إلى بعض الحاضرين فقال: ما الذي حدث و ما الذي أحزن الملك؟فالتفتت أمّ الأسد إليه و قالت له: قد أحزن الملك بقاؤك و لو طرفة عين و لن يدعك بعد اليوم حيا، قال دمنة: ما ترك الأوّل للآخر شيئا لأنّه يقال أشدّ الناس في توقّي الشرّ يصيبه الشّرّ قبل المستسلم له [٣] فلا يكوننّ الملك و خاصّته و جنوده المثل السّوء، و قد علمت أنه قد قيل من صحب الأشرار و هو يعلم علمهم كان أذاه من نفسه، و لذلك انقطعت النّسّاك بأنفسها عن الخلق و اختارت الوحدة على المخالطة و حبّ العمل للّه على حبّ الدّنيا و أهلها، و من يجزي بالخير خيرا و بالإحسان إحسانا إلاّ اللّه، و من طلب الجزاء على الخير من الناس كان حقيقا أن يحظى بالحرمان إذ يخطئ الصواب في خلوص العمل لغير اللّه و طلب الجزاء من النّاس و إنّ أحقّ ما رغبت فيه رعيّة الملك هو محاسن الأخلاق و مواقع الصّواب و جميل السّير، و قد قالت العلماء من صدّق ما ينبغي أن يكذّب و كذّب ما ينبغي أن يصدّق أصابه ما أصاب المرأة التي بذلت نفسها لعبدها حتى فضحها بالتّلبّس عليها [٤] . قالت: و كيف كان ذلك؟
[١] السفهاء: قصار العقول.
[٢] المستسلم: المنقاد.
[٣] معارهم: بمعنى عارهم.
[٤] التلبيس: التخليط و التدليس.