كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٩ - باب مقدمة الكتاب
من سوء السيرة و قبح الطّريقة، و لا يمكننا مجاهدته [١] بغير ألسنتنا. و لو ذهبنا إلى أن نستعين بغيرنا لم تتهيّأ لنا معاندته و إن أحسّ منّا بمخالفته و إنكارنا سوء سيرته لكان في ذلك بوارنا [٢] . و قد تعلمون أنّ مجاورة السّبع و الكلب و الحيّة و الثّور على طيب الوطن و نضارة العيش [٣] غدر بالنّفس. و إنّ الفيلسوف لحقيق أن تكون همته مصروفة إلى ما يحصّن به نفسه من نوازل المكروه و لواحق المحذور. و يدفع المخوف لاستجلاب المحبوب. و لقد كنت أسمع أنّ فيلسوفا كتب إلى تلميذه يقول: إنّ مجاور رجال السّوء و المصاحبهم كراكب البحر إن هو سلم من الغرق لم يسلم من المخاوف، فإذا هو أورد نفسه مورد الهلكات و مصادر المخوفات عدّ من الحمير التي لا نفس لها، لأنّ الحيوانات البهيميّة قد خصّت في طبائعها بمعرفة ما تكتسب به النّفع و تتوقّى المكروه و ذلك أنّنا لم نرها تورد أنفسها موردا فيه هلكتها، و أنّها متى أشرفت على مورد مهلك لها مالت بطبائعها التي ركّبت فيها شحّا [٤] بأنفسها و صيانة لها إلى النّفور و التباعد عنه، و قد جمعتكم لهذا الأمر لأنكم أسرتي [٥] و مكان سرّي و موضع معرفتي و بكم أعتضد [٦] و عليكم أعتمد فإنّ الوحيد في نفسه و المنفرد برأيه حيث كان فهو ضائع و لا ناصر له، على أن العاقل قد يبلغ بحيلته ما لا يبلغ بالخيل و الجنود.
و المثل في ذلك أنّ قبّرة [٧] اتّخذت أدحيّة [٨] و باضت فيها على طريق الفيل، و كان للفيل مشرب يتردّد إليه، فمرّ ذات يوم على عادته ليرد مورده فوطئ عشّ القبّرة
[١] مجاهدته: مقاتلته.
[٢] بوارنا: هلاكنا.
[٣] أي طيبه.
[٤] شحا: بخلا.
[٥] قومي و عشيرتي.
[٦] أستعين.
[٧] القبرة: ضرب من العصافير الواحدة قبرة و العامة تقول قنبرة.
[٨] مبيض النعام في الرمل.