كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٧ - باب مقدمة الكتاب
فلما رأى ذو القرنين عزيمته سار اليه بأهبته [١] و قدّم فور الفيلة أمامه و دفعت الرّجال تلك الخيل و تماثيل الفرسان فأقبلت الفيلة نحوها و لفّت خراطيمها عليها فلمّا أحسّت بالحرارة ألقت من كان عليها و داستهم تحت أرجلها و مضت مهزومة هاربة لا تلوي على شيء [٢] و لا تمرّ بأحد إلا وطئته [٣] و تقطّع [٤] فور و جمعه و تبعهم أصحاب الاسكندر و أثخنوا فيهم الجراح [٥] و صاح الاسكندر يا ملك الهند ابرز إلينا و أبق على عدّتك و عيالك و لا تحملهم إلى الفناء فانه ليس من المروءة أن يرمي الملك بعدّته في المهالك المتلفة و المواضع المجحفة [٦] يل يقيهم بماله و يدفع عنهم بنفسه، فابرز إليّ ودع الجند فأيّنا قهر صاحبه فهو الأسعد، فلما سمع فور من ذي القرنين ذلك الكلام دعته نفسه إلى ملاقاته طمعا فيه و ظنّ ذلك فرصة، فبرز إليه الاسكندر فتجاولا على ظهري فرسيهما ساعات من النهار ليس يلقى أحدهما من صاحبه فرصة و لم يزالا يتعاركان فلمّا أعيا [٧] الاسكندر أمره و لم يجد فرصة و لا حيلة أوقع ذو القرنين في عسكره صيحة عظيمة ارتجّت لها الأرض و العساكر، فالتفت فور عند ما سمع الزعقة و ظنّها مكيدة في عسكره، فعاجله ذو القرنين بضربة أمالته عن سرجه و أتبعها بأخرى فوقع إلى الأرض، فلما رأت الهنود ما نزل بهم و ما صار اليه ملكهم حملوا على الاسكندر فقاتلوه قتالا أحبّوا معه الموت، فوعدهم من نفسه الاحسان و منحه اللّه أكتافهم [٨] فاستولى على بلادهم و ملّك عليهم رجلا من ثقاته و أقام بالهند حتى استوسق [٩] له ما أراد من أمرهم و اتّفاق كلمتهم ثم انصرف عن الهند و خلّف ذلك الرّجل عليهم و مضى متوجّها نحو ما قصد له.
[١] أهبته: عدته.
[٢] أي لا تقف و لا تنتظر.
[٣] وطئته: داسته.
[٤] تقطع: تشتت.
[٥] أي بالغوا في جراحهم.
[٦] المجحفة: المهلكة.
[٧] أعيا: أعجز.
[٨] أي مكنه منهم.
[٩] استوسق: اجتمع.