كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٧٠ - ترجمة بزرجمهر بن البختكان
السّلطان أن يغصبه، و لا من الماء أن يغرقه، و لا من النّار أن تحرقه، و لا من اللصوص أن تسرقه، و لا من السّباع و جوارح الطير أن تمزّقه.
و وجدت الرّجل السّاهي اللاّهي المؤثر اليسير يناله في يومه و يعدمه في غده على الكثير الباقي نعيمه، يصيبه ما أصاب التّاجر الّذي زعموا أنه كان له جوهر نفيس فاستأجر لثقبه رجلا في اليوم بمائة دينار، و انطلق به إلى منزله ليعمل و إذا في ناحية البيت صنج [١] موضوع، فقال التّاجر للصّائغ هل تحسن اللّعب بالصّنج؟قال:
نعم، و كان بلعبه ماهرا، فقال الرّجل: دونك الصّنج فأسمعنا ضربك به، فأخذ الرّجل الصّنج و لم يزل يسمع التّاجر الضّرب الصّحيح و الصّوت الرّفيع، و التاجر يشير بيده و رأسه طربا حتى أمسى، فلمّا حان الغروب قال الرّجل للتّاجر: مر لي بالأجرة، فقال له التّاجر: و هل عملت شيئا تستحقّ به الأجرة، فقال: عملت ما أمرتني به و أنا أجيرك و ما استعملتني [٢] عملت، و لم يزل به حتى استوفى منه مائة دينار و بقي جوهره غير مثقوب.
فلم أزدد في الدّنيا و شهواتها نظرا إلاّ ازددت فيها زهادة و منها هربا و وجدت النّسك هو الذي يمهّد للمعاد [٣] كما يمهّد الوالد لولده، و وجدته هو الباب المفتوح إلى النّعيم المقيم، و وجدت النّاسك قد تدبّر فعلته [٤] بالسكينة و الوقار فشكر و تواضع و قنع فاستغنى، و رضي فلم يهتمّ، و خلع الدّنيا فنجا من الشرور، و رفض الشّهوات فصار طاهرا، و اطّرح الحسد فوجبت له المحبّة، و سخت نفسه بكلّ شيء، و استعمل العقل فأبصر العاقبة فأمن النّدامة، و اعتزل [٥] النّاس فسلم منهم.
و لم آمن إن تركت الدّنيا و أخذت في النّسك أن أضعف عن ذلك و أكون قد
[١] الصنج: من آلات الملاهي ذات الوتر.
[٢] استعملتني: أي طلبت مني عمله.
[٣] المعاد: الآخرة.
[٤] تدبر: تفكر.
[٥] اعتزل: تنحى.