كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٦٨ - ترجمة بزرجمهر بن البختكان
فأقبل حتى دخل البيت و أخذا في الجمع ممّا فيه و بينما هما يجمعان إذ قرع الباب.
و كان للبيت باب آخر لم يكن يعلمه الرّجل و كان ذلك الباب عند جبّ الماء [١] فقال الخادم للرّجل على عجل منه و خيفة: بادر اخرج من الباب الذي عند جبّ الماء، و أشار له إلى موضعه. فانطلق الرّجل إلى ذلك المكان فوجد الباب و لكن لم يجد جبّ الماء فرجع إليه و قال له: أمّا الباب فوجدته و أما الجبّ فلم أجده. فقال له:
أيّها المائق [٢] و ما تصنع بالجبّ أنا دللتك به لتعرف الباب فإذ قد عرفته فاذهب عاجلا. فقال له: لم ذكرت الجبّ و ليس هو هناك. فقال له: ويحك أيّها الأحمق انج بنفسك و دع عنك الحمق و التردّد. فقال له: كيف أمضي و قد خلطت عليّ و ذكرت الجبّ و ليس هناك... فلم يزل على مثل هذه الحال حتى دخل ربّ البيت فأخذه و أوجعه ضربا و رفعه إلى السّلطان.
فلمّا خفت من التردّد رأيت أن لا أتعرّض لما أتخوّف منه المكروه و أن أقتصر على عمل تشهد الأنفس أنه يوافق كلّ الأديان فكففت يدي عن الضرب و القتل و السّرقة، و زجرت نفسي عن الكبر و الغضب، و نزّهت نفسي عن الحقد و البغض و الخيانة، و صنت لساني عن الكذب و البهتان و الغيبة و النميمة و كلّ أمر مكروه، و أضمرت في نفسي أن لا أبغي على أحد و لا أكذّب بالبعث و لا القيامة و لا الثّواب و لا العقاب و أن لا إله إلاّ اللّه الأحد الصّمد [٣] و زايلت [٤] الأشرار و حاولت الجلوس مع الأخيار بجهدي، و رأيت الصّلاح ليس كمثله صاحب و لا قرين [٥] و وجدت مكسبه إذا وفّق اللّه و أعان يسيرا و وجدته يدلّ على الخير و يشير بالنّصح فعل الصّديق بالصّديق، و وجدته لا ينقص على الإنفاق منه بل يزداد جدّة و حسنا و وجدته لا خوف عليه من
[١] الجب: البئر الذي لم يبن بالحجارة و نحوها.
[٢] المائق: الأحمق في غباوة.
[٣] الصمد: من أسماء اللّه تعالى و هو الذي يصمد اليه في الحوائج أي يقصد.
[٤] زايلت: فارقت.
[٥] القرين: الصاحب.