كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٤٣ - باب الحمامة المطوّقة
المرأة: و كيف كان ذلك؟
قال الرّجل: زعموا أنّه خرج ذات يوم رجل قانص [١] و معه قوسه و نشّابه، فلم يجاوز غير بعيد حتى رمى ظبيا فحمله و رجع طالبا منزله فاعترضه خنزير برّيّ فرماه بنشّابة نفذت فيه فأدركه الخنزير و ضربه بأنيابه ضربة أطارت من يده القوس و وقعا ميتين، فأتى عليهم ذئب فقال: هذا الرّجل و الظّبي و الخنزير يكفيني أكلهم مدّة، و لكن أبدأ بهذا الوتر فآكله فيكون قوت يومي، فعالج الوتر حتى قطعه فلمّا انقطع طارت سية [٢] القوس فضربت حلقه فمات.
و إنّما ضربت لك هذا المثل لتعلمي أنّ الجمع و الادّخار وخيم العاقبة.
فقالت المرأة: نعمّا قلت و عندنا من الأرزّ و السّمسم ما يكفي ستّة نفر أو أكثر، فأنا غادية [٣] على صنع الطّعام فادع من أحببت، و أخذت المرأة حين أصبحت سمسما و قشرته و بسطته في الشمس ليجفّ و قالت لغلام لهم: اطرد عنه الطير و الكلاب، و تفرّغت المرأة لصنعها و تغافل الغلام عن السّمسم فجاء كلب فعاث [٤] فيه فاستقذرته المرأة و كرهت أن تصنع منه طعاما، فذهبت به إلى السّوق فأخذت به مقايضة [٥] سمسما غير مقشور مثلا بمثل، و أنا واقف في السّوق. فقال رجل لآخر: لأمر ما باعت هذه المرأة سمسما مقشورا بغير مقشور.
و كذلك قولي في هذا الجرذ الذي ذكرت أنه على غير علّة ما يقدر على ما شكوت منه فالتمس لي فأسا لعلي أحتفر جحره فأطّلع على بعض شأنه،
[١] قانص: صائد.
[٢] سية القوس: ما عطف من طرفها.
[٣] غادية: مبكرة.
[٤] عاث: أفسد، يقال عاث الذئب بالغنم.
[٥] مقايضة: من قايضه إذا عاوضه عوضا بعوض.