كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٤٤ - باب الحمامة المطوّقة
فاستعار النّاسك من بعض جيرانه فأسا فأتى بها الضّيف و أنا حينئذ في جحر غير جحري أسمع كلامهما و في جحري كيس فيه مائة دينار لا أدري من وضعها، فاحتفر الضّيف حتى انتهى إلى الدّنانير فأخذها و قال للنّاسك: ما كان هذا الجرذ يقوى على الوثوب حيث كان يثب إلاّ بهذه الدّنانير فإنّ المال جعل له قوّة و زيادة في الرأي و التمكّن، و سترى بعد هذا أنه لا يقدر على الوثوب حيث كان يثب، فلمّا كان من الغد اجتمعت الجرذان التي كانت معي فقالت: قد أصابنا الجوع و أنت رجاؤنا فانطلقت و معي الجرذان إلى المكان الذي كنت أثب منه إلى السّلّة فحاولت ذلك مرارا فلم أقدر عليه، فاستبان للجرذان نقص حالي فسمعتهنّ يقلن انصرفن عنه و لا تطمعن فيما عنده فإنّا نرى له حالا لا نحسبه إلاّ قد احتاج إلى من يعوله [١] فتركنني و لحقن بأعدائي و جفونني و أخذن في غيبتي [٢] عند من يعاديني و يحسدني.
فقلت في نفسي: ما الإخوان و لا الأعوان و لا الأصدقاء إلاّ بالمال، و وجدت من لا مال له إذا أراد أمرا قعد به العدم [٣] عمّا يريده، كالماء الذي يبقى في الأودية من مطر الشّتاء لا يمرّ إلى نهر و لا يجري إلى مكان فتشربه أرضه، و وجدت من لا إخوان له لا أهل له، و من لا ولد له لا ذكر له، و من لا مال له لا عقل له و لا دنيا و لا آخرة له لأنّ الرجل إذا افتقر قطعه أقاربه و إخوانه، فإنّ الشجرة النّابتة في السّباخ [٤] المأكولة من كلّ جانب كحال الفقير المحتاج إلى ما في أيدي النّاس.
[١] يعوله: يكفيه معاشه.
[٢] غيبتي: الغيبة هي أن يتحدث المرء بالسوء في غياب صديقه بما يغمه لو سمعه فإن كان صدقا يسمى غيبة و إن كان كذبا يسمى بهتانا.
[٣] العدم: الفقر.
[٤] السباخ: واحده السبخة و هي الأرض ذات الملح و النز.