كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٠٥ - باب الأسد و الثور
خطأ، ثمّ ينظر هل في الصّفح عنه أمر يخاف ضرره و شينه فلا يؤاخذ صاحبه بشيء يجد فيه إلى الصّفح عنه سبيلا.
«فإن كان الأسد قد اعتقد عليّ ذنبا، فلست أعلمه إلاّ أنّي خالفته في بعض رأيه بطرا منّي و نصيحة له فعساه يكون قد أنزل أمري على الجرأة عليه و المخالفة له.
و لا أجد لي في هذا المحضر إثما ما، لأنّي لم أخالفه في شيء إلا ما قد ندر من مخالفة الرّشد و المنفعة و الدّين، و لم أجاهر بشيء من ذلك على رءوس جنده و عند أصحابه و لكن كنت أخلو به و أكلّمه سرّا كلام الهائب الموقّر، و علمت أنّه من التمس الرّخص [١] من الإخوان عند المشاورة و من الأطبّاء عند المرض و من الفقهاء عند الشّبهة فقد أخطأ منافع الرّأي و ازداد فيما وقع فيه من ذلك تورّطا و حمل الوزر [٢] ، و إن لم يكن هذا فعسى أن يكون ذلك من بعض سكرات السّلطان فإنّ مصاحبة السّلطان خطرة و إن صوحب بالسّلامة و الثّقة و المودّة و حسن الصّحبة، و إن لم يكن هذا و لا هذا فهو إذن من مواقع القضاء و القدر الّذي لا يدفع، و القدر هو الّذي يسلب الأسد قوّته و شدّته و يدخله القبر، و هو الّذي يحمل الرّجل الضّعيف على ظهر الفيل المغتلم، و هو الذي يسلط على الحيّة ذات الحمة [٣] من ينزع حمتها و يلعب بها، و هو الذي يحزّم [٤] العاجز و يثبّط الشّهم و يوسّع على المقتر [٥] و يشجّع الجبان و يجبّن الشّجاع عند ما تعتريه المقادير من العلل التي وضعت عليها الأقدار» .
قال دمنة: إنّ إرادة الأسد بك ليست من تحميل الأشرار و لا سكرة السّلطان و لا
[١] الرخص جـ رخصة: و هي خلاف التشديد.
[٢] التورط: الدخول في الورطة و هي الهلاك. و الوزر: الاثم.
[٣] الحمة (بالتخفيف) : السم أو الابرة التي تضرب بها الحية.
[٤] يحزم: يجعله حازما.
[٥] المقتر: الفقير.