كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٤٥ - باب الحمامة المطوّقة
و وجدت الفقر رأس كلّ بلاء و جالبا إلى صاحبه كلّ مقت و معدن النّميمة، و وجدت الرّجل إذا افتقر اتّهمه من كان له مؤتمنا و أساء به الظّنّ من كان يظنّ به حسنا، فإن أذنب غيره كان هو للتّهمة موضعا، و ليس من خلّة [١] هي للغنيّ مدح إلاّ و هي للفقير ذمّ، فإن كان شجاعا قيل أهوج و إن كان جوّادا [٢] سمّي مبذّرا، و إن كان حليما سمّي ضعيفا، و إن كان وقورا سمّي بليدا، فالموت أهون من الحاجة التي تحوج صاحبها إلى المسألة و لا سيّما مسألة الأشحّاء [٣] و اللّئام فإنّ الكريم لو كلّف أن يدخل يده في فم الأفعى فيخرج منه سمّا فيبتلعه كان ذلك أهون عليه و أحبّ إليه من مسألة البخيل اللّئيم.
و قد كنت رأيت الضّيف حين أخذ الدّنانير فقاسمها النّاسك فجعل النّاسك نصيبه في خريطة [٤] عند رأسه لمّا جنّ اللّيل، فطمعت أن أصيب منها شيئا فأردّه إلى جحري و رجوت أن يزيد ذلك في قوّتي و يراجعني بسببه بعض أصدقائي فانطلقت إلى النّاسك و هو نائم حتى انتهيت عند رأسه فوجدت الضّيف يقظان و بيده قضيب فضربني على رأسي ضربة موجعة فسعيت إلى جحري فلمّا سكن عنّي الألم، هيّجني الحرص و الشّره فخرجت طمعا كطمعي الأوّل و إذا الضّيف يرصدني فضربني بالقضيب ضربة أسالت مني الدّم فتقلّبت ظهرا لبطن إلى جحري فخررت [٥] مغشيّا عليّ فأصابني من الوجع ما بغّض إليّ المال حتى لا أسمع بذكره إلاّ تداخلني من ذكره رعدة و هيبة، ثمّ تذكّرت فوجدت البلاء في الدّنيا إنّما يسوقه الحرص و الشّره و لا يزال صاحب الدّنيا في بلية و تعب و نصب، و وجدت تجشّم [٦]
[١] خلة: خصلة.
[٢] الجواد الكريم.
[٣] الأشحاء جـ شحيح: و هو البخيل.
[٤] الخريطة: كيس من جلد و غيره.
[٥] خررت: سقطت.
[٦] التجشم: التكلف على مشقة.
غ