كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٢٠ - باب ايلاذ و بلاذ و ايراخت
و قالت: أحمد اللّه تعالى ثمّ أحمد الملك الذى أحسن إليّ، قد أذنبت الذّنب العظيم الذي لم أكن للبقاء أهلا بعده فوسعه حلمه و كرم طبعه و رأفته، ثمّ أحمد إيلاذ الذي أخّر أمري و أنجاني من الهلكة لعلمه برأفة الملك وسعة حلمه وجوده و كرم جوهره و وفاء عهده.
و قال الملك لإيلاذ: ما أعظم يدك عندي و عند إيراخت و عند العامّة إذ قد أحييتها بعد ما أمرت بقتلها، فأنت الذي وهبها لي اليوم فإنّي لم أزل واثقا بنصيحتك و تدبيرك و قد ازددت اليوم عندي كرامة و تعظيما و أنت محكّم في ملكي تعمل فيه بما ترى و تحكم عليه بما تريد، فقد جعلت ذلك إليك و وثقت بك. قال إيلاذ: أدام اللّه لك أيّها الملك الملك و السرور، فلست بمحمود على ذلك فإنّما أنا عبدك لكنّ حاجتي أن لا يعجل الملك في الأمر الجسيم الذي يندم على فعله، و تكون عاقبته الغمّ و الحزن و لا سيّما في مثل هذه المرأة النّاصحة المشفقة التي لا يوجد في الأرض مثلها. فقال الملك: بحقّ قلت يا إيلاذ، و قد قبلت قولك و لست عاملا بعدها عملا صغيرا و لا كبيرا فضلا عن مثل هذا الأمر العظيم الذي ما سلمت منه إلاّ بعد المؤامرة [١] و النظر و التردّد إلى ذوي العقول و مشاورة أهل المودّة و الرّأي.
ثمّ أحسن الملك جائزة إيلاذ و مكّنه من أولئك البراهمة الذين أشاروا بقتل أحبابه فأطلق فيهم السّيف، و قرّت عين الملك و عيون عظماء أهل مملكته و حمدوا اللّه و أثنوا على كباريون لسعة علمه و فضل حكمته لأنّ بعلمه خلص الملك و وزيره الصّالح و امرأته الصّالحة.
[١] المؤامرة: من آمره في كذا مؤامرة: شاوره.