كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٤٤ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
و ذلك أنّك إنما وطئت أرضنا و قدمت إلى بلادنا لتسلبنا كنوزنا النّفيسة فتذهب بها إلى بلادك و تسرّ بها ملكك، و كان قدومك إلينا بالمكر و مصادقتك لنا بالخديعة، و لكني لمّا رأيت صبرك و مواظبتك على طلب حاجتك و التّحفّظ من أن تسقط في الكلام مع طول مكثك عندنا على كتم أمرك بشيء يستدلّ به على سريرتك و أمورك، ازددت رغبة في إخائك و ثقة بعقلك و أحببت مودّتك، فإني لم أر في الرّجال رجلا هو أرصن [١] منك عقلا و لا أحسن أدبا و لا أصبر على طلب العلم و لا أكتم لسرّه، و لا سيّما في بلاد غربة و مملكة غير مملكتك و عند قوم لا تعرف سننهم و لا شيمهم [٢] و إنّ عقل الرّجل ليبين في خصال ثمان: الأولى منها الرّفق، و الثّانية أن يعرف الرّجل نفسه فيحفظها، و الثّالثة طاعة الملوك و التّحرّي [٣] لما يرضيهم، و الرّابعة معرفة الرّجل موضع سرّه و كيف ينبغي أن يطلع عليه صديقه، و الخامسة أن يكون على أبواب الملوك أديبا ملق [٤] اللّسان، و السّادسة أن يكون لسرّه و لسرّ غيره حافظا، و السّابعة أن يكون على لسانه قادرا فلا يتكلّم إلاّ بما يأمن تبعته [٥] و لا يطلع على سرّه إلاّ الثّقات، و الثّامنة أن لا يتكلّم في المحافل بما لا يسأل عنه.
فمن اجتمعت فيه هذه الخصال كان هو الداعي الخير إلى نفسه. و هذه الخصال كلّها قد اجتمعت فيك و بانت لي منك فاللّه تعالى يحفظك و يعينك على ما قدمت له و يظفرك بحاجتك لأنّك إنما صادقتني لتسلبني علمي و فخري و إنك أهل لأن تسعف بحاجتك و تشفع بطلبتك و تعطي سؤلك [٦] . و لكن حاجتك التي تطلب
[١] أرصن: أحكم و أثبت.
[٢] السنن: الطرق. الشيم: جمع شيمة و هي الغريزة.
[٣] التحري: تطلب الأجدر و الأولى.
[٤] الملق (بالفتح) : التودد و التلطف. و رجل ملق اللسان يعطي بلسانه ما ليس بقلبه.
[٥] تبعة: بوزن كلمة ما تطلبه من ظلامة و نحوها.
[٦] شفعت الشيء بكذا: ضممته إليه. الطلبة (بكسر اللام) : الشيء المطلوب. السؤل: السؤال.