كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٦٥ - باب البوم و الغربان
ناصر له أهل لأن يستبقى و يرحم و يصفح عنه لا سيّما المستجير الخائف فإنّه أهل لأن يؤمّن، و العدوّ إذا صدرت منه المنفعة و لو كان غير متعمّد لها أهل لأن يصفح عنه بسببها، كالتّاجر الذي عطف على سارق لمكانة امرأته عنده. قال الملك: و كيف كان ذلك؟
قال الوزير: زعموا أنّه كان تاجر كثير المال و المتاع و كانت له امرأة ذات جمال، و أنّ سارقا تسوّر بيت التّاجر فدخل فوجده نائما و وجد امرأته مستيقظة فذعرت من السّارق و وثبت إلى التّاجر فالتزمته [١] و اعتنقته و قد كان يودّ لو دنت منه يوما ما، فاستيقظ التّاجر بالتزامها إيّاه فقال: من أين لي هذه النّعمة؟ثمّ بصر بالسّارق فقال: أيّها السّارق أنت في حلّ ممّا أخذت من مالي و متاعي و لك الفضل بما عطّفت قلب زوجتي على معانقتي.
قال ملك البوم لوزير آخر من وزرائه: ما تقول في الغراب؟قال: أرى أن تستبقيه [٢] و تحسن إليه فإنّه خليق أن ينصحك، و العاقل يرى معاداة بعض أعدائه بعضا ظفرا حسنا و يرى اشتغال بعض أعدائه ببعض خلاصا لنفسه منهم و نجاة كنجاة النّاسك من اللّصّ و الشّيطان حين اختلفا عليه. قال الملك: و كيف كان ذلك؟
قال الوزير: زعموا أنّ ناسكا أصاب من رجل بقرة حلوبة، فانطلق بها يقودها إلى منزله فعرض له لصّ أراد سرقتها و تبعه شيطان يريد اختطافه. فقال الشّيطان للصّ: من أنت؟قال: أنا اللصّ أريد أن أسرق هذه البقرة من النّاسك إذا نام فمن أنت؟قال: أنا الشّيطان أريد اختطافه إذا نام و أذهب به. فانتهيا على هذا إلى المنزل فدخل النّاسك منزله و دخلا خلفه، و أدخل البقرة فربطها في زاوية المنزل
[١] التزمته: بمعنى اعتنقته.
[٢] تستبقيه: أي تبقيه حيا.