كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٥٥ - باب البوم و الغربان
الصلح على خراج نؤدّيه إليه في كلّ سنة ندفع به عن أنفسنا و نطمئنّ في أوطاننا، فإنّ من آراء الملوك إذا اشتدّت شوكة [١] عدوّهم فخافوه على أنفسهم و بلادهم أن يجعلوا الأموال جنّة [٢] البلاد و الملك و الرّعيّة. قال الملك للرّابع: فما رأيك في هذا الصلح؟قال: لا أراه رأيا بل أن نفارق أوطاننا و نصبر على الغربة و شدّة المعيشة خير من أن نضيع أحسابنا و نخضع للعدوّ الذي نحن أشرف منه، مع أنّ البوم لو عرضنا ذلك عليهنّ لما رضين منّا إلاّ بالشّطط [٣] و يقال في الأمثال قارب عدوّك بعض المقاربة لتنال حاجتك و لا تقاربه كلّ المقاربة فيجترئ عليك و يضعف جندك و تذلّ نفسك.
و مثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشّمس إذا أملتها قليلا زاد ظلّها و إذا جاوزت بها الحدّ في إمالتكها [٤] نقص الظّلّ. و ليس عدوّنا راضيا منّا بالدّون في المقاربة. فالرأي لنا و لك المحاربة. قال الملك للخامس: ما تقول أنت و ما ذا ترى: القتال أم الصلح أم الجلاء عن الوطن؟قال: أمّا القتال فلا سبيل للمرء إلى قتال من لا يقوى عليه، و قد يقال إنّه من لا يعرف نفسه و عدوّه و قاتل من لا يقوى عليه حمل نفسه على حتفها [٥] مع أنّ العاقل لا يستصغر عدوّا. فإنّ من استصغر عدوّه اغترّ به و من اغترّ بعدوّه لم يسلم منه، و أنا للبوم شديد الهيبة و إن أضربن عن قتالنا [٦] و قد كنت أهابها قبل ذلك. فإنّ الحازم لا يأمن عدوّه على كلّ حال فإن كان بعيدا لم يأمن
[١] شوكة: قدرة.
[٢] جنة: ترس.
[٣] الشطط: مجاوزة الحد.
[٤] إمالتكها: أي إمالتك إياها.
[٥] حتفها: هلاكها.
[٦] اضربن عن قتالنا: أعرضن عنه.
غ