كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٨٧ - باب الجرذ و السّنّور
بعضها يتحذّر منه، و لا يزال العاقل يرتهن منه بعض حاجاته لبعض ما يتّقي و يخاف، و ليس عاقبة التّواصل المتواصل إلاّ لطلب عاجل النّفع و بلوغ مأموله.
و أنا واف لك بما جعلت لك و محترس منك مع ذلك من حيث أخافك تخوّف أن يصيبني منك ما ألجأني خوفه إلى مصالحتك، و ألجأك إلى قبول ذلك منّي فإنّ لكلّ عمل حينا [١] فما لم يكن في حينه فلا حسن لعاقبته، و أنا قاطع حبالتك كلّها غير أنّي تارك عقدة أرتهنك بها و لا أقطعها إلاّ في السّاعة التي أعلم أنك فيها عنّي مشغول و ذلك عند معاينتي الصيّاد، ثمّ إنّ الجرذ أخذ في قطع حبالة السّنّور. فبينما هو كذلك إذ وافى الصيّاد فقال له السّنّور: الآن جاء الجدّ في قطع حبالتي فجهد الجرذ نفسه في القرض حتّى إذا فرغ وثب السّنّور إلى الشّجرة على دهش من الصيّاد و دخل الجرذ بعض الأجحار و جاء الصيّاد فأخذ حبالته مقطّعة ثمّ انصرف خائبا.
ثمّ إنّ الجرذ خرج بعد ذلك و كره أن يدنو من السّنّور فناداه السّنّور: أيّها الصّديق النّاصح ذو البلاء [٢] الحسن عندي، ما منعك من الدّنوّ إليّ لأجازيك بأحسن ما أسديت [٣] إليّ، هلمّ إليّ و لا تقطع إخائي فإنّه من اتّخذ صديقا و قطع إخاءه و أضاع صداقته حرم ثمرة إخائه و أيس من نفعه الإخوان و الأصدقاء، و إنّ يدك [٤] عندي لا تنسى و أنت حقيق أن تلتمس مكافأة ذلك منّي و من إخواني و أصدقائي و لا تخافنّ منّي شيئا و اعلم أنّ ما قبلي لك مبذول.
ثمّ حلف و اجتهد على صدقه فيما قال. فناداه الجرذ: ربّ صداقة ظاهرة باطنها عداوة كامنة و هي أشدّ من العداوة الظّاهرة و من لم يحترس منها وقع موقع الرّجل الذي يركب ناب الفيل المغتلم ثمّ يغلبه النّعاس فيستيقظ تحت فراسن [٥] الفيل فيدوسه
[١] حينا: وقتا.
[٢] البلاء: الاختبار.
[٣] أسديت: أحسنت.
[٤] يدك: نعمتك.
[٥] فراسن جـ فرسن: و هو للفيل و الجمل كالقدم للانسان.