كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٩٦ - باب الأسد و الثور
انطلقي معي فأريني موضع هذا الأسد فانطلقت الأرنب إلى جبّ [١] فيه ماء غامر صاف، فاطلعت فيه و قالت: هذا المكان، فاطّلع الأسد فرأى ظلّه و ظلّ الأرنب في الماء فلم يشكّ في قولها و وثب إليه ليقاتله فغرق في الجبّ، فانقلبت [٢] الأرنب إلى الوحوش و أعلمتهنّ صنيعها بالأسد.
قال كليلة: إن قدرت على هلاك الثور بشيء ليس فيه مضرّة للأسد فشأنك [٣] فإنّ الثور قد أضرّ بي و بك و بغيرنا من الجند و إن أنت لم تقدر على ذلك إلاّ بهلاك الأسد فلا تقدم [٤] عليه فإنه غدر مني و منك.
ثمّ إنّ دمنة ترك الدّخول على الأسد أيّاما كثيرة ثمّ أتاه على خلوة منه فقال له الأسد: ما حبسك عني منذ زمان لم أرك، ألا لخير كان انقطاعك قال دمنة: خيرا فليكن أيّها الملك، قال الأسد: و هل حدث أمر، قال دمنة: حدث ما لم يكن الملك يريده و لا أحد من جنده، قال و ما ذاك؟قال: كلام فظيع، قال:
أخبرني به، قال دمنة: إنه كلام يكرهه سامعه و لا يشجع عليه قائله، و إنّك أيّها الملك لذو فضيلة و رأيك يدلّك على أن يوجعني أن أقول ما تكره، و أثق بك أن تعرف نصحي و إيثاري [٥] إيّاك على نفسي، و إنّه ليعرض [٦] لي أنك غير مصدّقي فيما أخبرك به، و لكني إذا تذكّرت و تفكّرت أنّ نفوسنا معاشر الوحوش متعلقة بك لم أجد بدّا من أداء الحقّ الذي يلزمني و إن أنت لم تسألني و خفت ألاّ تقبل مني، فإنّه يقال من كتم السلطان نصيحته و الإخوان رأيه فقد خان نفسه، قال الأسد: فما
[١] الجب: البئر التي لم تبن بالحجارة و نحوها.
[٢] انقلبت: عادت.
[٣] أي افعل ما تشاء.
[٤] تقدم عليه: أي تجترئ عليه و تفعله.
[٥] إيثاري: من آثره على نفسه إذا فضله.
[٦] ليعرض: ليخطر.