كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٢٢ - باب الفحص عن أمر دمنة
لي مائة نفس و أعلم أنّ هوى الملك في إتلافهنّ طبت له بذلك نفسا، فقال بعض الجند: لم ينطق بهذا لحبّه الملك و لكن لخلاص نفسه و التماس العذر لها، فقال له دمنة: ويلك و هل عليّ في التماس العذر لنفسي عيب و هل أحد أقرب إلى الإنسان من نفسه، و إذا لم يلتمس لها العذر فمن يلتمسه؟لقد ظهر منك ما لم تكن تملك كتمانه من الحسد و البغضاء، و لقد عرف من سمع منك أنّك لا تحبّ لأحد خيرا و أنك عدوّ نفسك فمن سواها بالأولى فمثلك لا يصلح أن يكون مع البهائم فضلا أن يكون مع الملك و أن يكون ببابه، فلمّا أجابه دمنة بذلك خرج مكتئبا حزينا مستحيا، فقالت أمّ الأسد لدمنة: لقد عجبت منك أيّها المحتال في قلة حيائك و كثرة قحّتك [١] و سرعة جوابك لمن كلّمك، قال دمنة: لأنّك تنظرين إليّ بعين واحدة و تسمعين بأذن واحدة مع أنّ شقاوة جدّي [٢] قد زوت [٣] عنّي كلّ شيء حتى لقد سعوا إلى الملك بالنميمة عليّ.
«و إني أرى كلّ شيء قد تنكّر [٤] حتى صار الناس لا ينطقون بالحقّ و صار من بباب الملك لاستخفافهم به و طول كرامته إيّاهم و ما هم فيه من العيش و النّعمة لا يدرون في أيّ وقت ينبغي لهم الكلام و لا متى يجب عليهم السّكوت» . قالت: أ لا تنظرون إلى هذا الشّقيّ مع عظم ذنبه كيف يجعل نفسه بريئا كمن لا ذنب له، قال دمنة: إنّ الذين يعملون غير أعمالهم ليسوا على شيء كالذي يضع الرّماد موضعا ينبغي أن يضع فيه الرّمل و يستعمل فيه السّرجين [٥] و الرّجل الذي يلبس لباس المرأة، و المرأة التي تلبس لباس الرّجل، و الضّيف الذي يقول أنا ربّ البيت، و الذي ينطق بين الجماعة بما لا يسأل عنه، و إنّما الشّقيّ من لا يعرف الأمور و لا
[١] القحة: الوقاحة.
[٢] الجد (بالفتح) : الحظ.
[٣] زوت: نحت و أبعدت.
[٤] تنكر: تغير عن حاله.
[٥] السرجين: الزبل و مثله السرقين و هما معربان سركين (بالفتح) .