كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٦٣ - باب البوم و الغربان
ذلك؟
قال الغراب: زعموا أنّ ناسكا اشترى عريضا ضخما ليجعله قربانا، فانطلق به يقوده فبصر به قوم من المكرة فائتمروا [١] بينهم أن يأخذوه من النّاسك فعرض له أحدهم، فقال له: أيّها النّاسك ما هذا الكلب الذي معك، ثمّ عرض له الآخر فقال لصاحبه: ما هذا ناسك لأنّ النّاسك لا يقود كلبا، فلم يزالوا مع النّاسك على هذا و مثله حتّى لم يشكّ أنّ الذي يقوده كلب و أنّ الذي باعه إيّاه سحر عينيه، فأطلقه من يده فأخذه الجماعة المحتالون و مضوا به.
و إنّما ضربت لك هذا المثل لما أرجو أن نصيب [٢] من حاجتنا بالرّفق و الحيلة، و إني أريد من الملك أن ينقرني [٣] على رءوس الأشهاد و ينتف ريشي و ذنبي ثمّ يطرحني في أصل هذه الشجرة و يرتحل الملك و جنوده إلى مكان كذا، فأرجو أني أصبر و أطّلع على أحوالهم و مواضع تحصينهم و أبوابهم فأخادعهم و آتي إليكم لنهجم عليهم و ننال منهم غرضنا إن شاء اللّه تعالى. قال الملك: أتطيب نفسك لذلك.
قال: نعم و كيف لا تطيب نفسي لذلك و فيه أعظم الرّاحات للملك و جنوده، ففعل الملك بالغراب ما ذكر ثمّ ارتحل فجعل الغراب يئنّ و يهمس [٤] حتّى سمعه البوم و رأينه يئنّ فأخبرن ملكهنّ بذلك فقصد نحوه ليسأله عن الغربان، فلمّا دنا منه أمر بوما أن يسأله.
فقال له: من أنت و أين الغربان؟فقال: أمّا اسمي ففلان، و أمّا ما سألتني عنه فإني أحسبك ترى أنّ حالي حال من لا يعلم الأسرار، فقيل لملك البوم هذا وزير
[١] ائتمروا: تشاوروا.
[٢] نصيب: ننال.
[٣] ينقرني: من نقره إذا ضربه و عابه.
[٤] يهمس: من الهمس و هو الصوت الخفي.