كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٤٩ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
في رضاك و انكماشي [١] في طاعتك فإنّما أنا عبدك يلزمني بذل مهجتي في رضاك، و لو لم تجزني لم يكن ذلك عندي عظيما و لا واجبا على الملك، و لكن لكرمه و شرف منصبه عمد إلى مجازاتي و خصّني و أهل بيتي بعلوّ المرتبة و رفع الدّرجة حتى لو قدر أن يجمع لنا بين شرف الدّنيا و الآخرة لفعل فجزاه اللّه عنّا أفضل الجزاء. قال أنو شروان: أذكر حاجتك فعليّ ما يسرّك. فقال برزويه:
حاجتي أن يخرج أمر الملك أنفذه اللّه تعالى إلى الحكيم الفاضل الرّفيع المقام وزيره بزرجمهر بن البختكان أن ينظم أمري في نسخة و يبوّب الكتاب [٢] و يجعل تلك النّسخة بابا يذكر فيه أمري و يصف حالي و لا يدع من المبالغة في ذلك أقصى [٣] ما يقدر عليه، و يأمره إذا فرغ منه أن يجعله أوّل الأبواب التي تقرأ قبل باب الأسد و الثّور، فإنّ الملك إذا فعل ذلك فقد بلغ بي و بأهلي غاية الشرف و أعلى المراتب، و أبقى لنا ما لا يزال ذكره باقيا على الأبد حيثما قرئ هذا الكتاب.
فلمّا سمع كسرى أنو شروان و العظماء مقالته و ما سمت [٤] إليه نفسه من محبّة إبقاء الذكر عجبوا من أدبه و حسن عقله و كبر نفسه و استحسنوا طلبته و اختياره، فقال كسرى:
حبّا و كرامة يا برزويه إنك لأهل أن تسعف بحاجتك فما أقلّ ما قنعت به و أيسره عندنا و إن كان خطره [٥] عندك عظيما. ثمّ أقبل أنو شروان على وزيره بزرجمهر فقال له: قد عرفت مناصحة برزويه لنا و تجشّمه [٦] المخاوف و المهالك فيما يقرّبه منّا و إتعابه بدنه فيما يسرّنا و ما أتى إلينا من المعروف و ما أفادنا اللّه على يده من الحكمة و الأدب الباقي لنا فخره، و ما عرضنا عليه من خزائننا لنجزيه على ما كان منه فلم تمل نفسه إلى شيء من ذلك، و كانت بغيته و طلبته منّا أمرا يسيرا رآه هو الثّواب منّا له و الكرامة الجليلة عنده، فإنّي
[١] انكماشي: جدي و اسراعي.
[٢] بوبه: قسمه أبوابا.
[٣] أقصى: أبعد.
[٤] سمت: ارتفعت.
[٥] خطره: شرفه.
[٦] تجشم: من تجشم الأمر إذا تكلفه على مشقة.