كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٤٧ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
كتب إلى كسرى أنو شروان يعلمه بذلك، فلمّا وصل إليه الكتاب سرّ سرورا شديدا ثمّ تخوّف معاجلة المقادير أن تنغّص [١] عليه فرحه و تنقض سروره فكتب إلى برزويه يأمره بتعجيل القدوم فسار برزويه متوجّها نحو كسرى، فلمّا رأى الملك ما قد مسّه من الشّحوب و الإعياء [٢] قال له: أيّها العبد النّاصح الذي يأكل ثمرة ما قد غرس أبشر و قرّ عينا فإني مشرّفك و بالغ بك أفضل درجة. و أمره أن يريح بدنه سبعة أيّام، فلمّا كان اليوم الثّامن أمر الملك بإحضار أشراف مملكته و جميع علماء مصره [٣] و شعرائه و خطبائه، فلمّا اجتمعوا أحضر برزويه فدخل عليه و سجد بين يدي الملك و جلس على مرتبة أعدّت له، ثمّ وقّع [٤] الكلام فيما شاهده و رآه و شرح قصّته و حاله من أوّلها إلى آخرها، فلم يبق أحد من رجال الدّولة و قوّادها و أهل علومها على طبقاتهم إلاّ تعجّب منه و من طول طريقه و حسن سيرته مع صديقه و ما وفى له به بلا عهد [٥] منه له و لا مقدّمة تقدّمت بينهما من إفشاء سرّه له مع ما بينهما من افتراق الأديان و تباين الأشكال [٦] و منافرة المذهب، و استعظموا ما أنفق على تحصيل ذلك و عظم برزويه في أعين الحاضرين و كبر قدره عند ملكه، ثمّ إن الملك صرف من حضر، و انصرف برزويه و عمد الخطباء [٧] يصنعون مقدّمات تصلح لحضور المجلس و تأهّبوا لذلك، و عقد لهم الملك مجلسا و حضر برزويه و خطباء الدّولة و الوزراء و فصحاء المملكة و أحضر الكتاب و سائر الكتب، فلمّا قرئت الكتب و سمعوا ما فيها من العلوم و الحكم و سائر الطّرائف [٨] و غرائب الآداب و استبشر من حضر و بلغ الملك أمنيّته و مدحوا برزويه و أثنوا عليه و شكروه على ما ناله من التعب، فأمر الملك عند ذلك بالدّرّ و الجوهر و الذّهب و الفضّة و فتحت
[١] تنغص: تكدر.
[٢] الشحوب: تغير اللون من هزال أو جوع أو سفر. الإعياء: شدة التعب.
[٣] المصر: المدينة.
[٤] وقع الكلام: أي أجراه.
[٥] عهد: معرفة.
[٦] تباين: تخالف.
[٧] عمد: استعد.
[٨] الطرائف: جمع طريفة و هو الشيء المستملح المستحسن.
غ