كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٩٠ - باب الأسد و الثور
فأوجعها ضربا، ثمّ أوثقها في أسطوانة [١] في المنزل و ذهب فنام لا يعقل، و جاءت امرأة الحجّام تعلمها أنّ الرّجل قد أطال الجلوس فما ذا تأمرين، فقالت لها: إن شئت فأحسنت إليّ و حلّيتيني و ربطتك مكاني حتى أنطلق إلى خليلي و أعجّل العودة، فأجابتها امرأة الحجّام إلى ذلك و حلّتها و انطلقت إلى خليلها و أوثقت هي نفسها مكانها، فاستيقظ الإسكاف قبل أن تعود زوجته فناداها باسمها فلم تجبه امرأة الحجّام و خافت من الفضيحة أن ينكر صوتها، ثمّ دعاها ثانية فلم تجبه، فامتلأ غيظا و حنقا و قام نحوها بالشّفرة فجدع [٢] أنفها و قال: خذي هذا فأتحفي به صديقك، و هو لا يشكّ في أنها امرأته، ثمّ جاءت امرأة الإسكاف فرأت صنع زوجها بامرأة الحجّام فساءها ذلك و أكبرته و حلّت وثاقها [٣] فانطلقت إلى منزلها مجدوعة الأنف، و كلّ ذلك بعين النّاسك و سمعه، ثمّ إنّ امرأة الإسكاف جعلت تبتهل و تدعو على زوجها الذي ظلمها، ثم رفعت صوتها و نادت زوجها: أيّها الفاجر الظّالم قم فانظر كيف صنعك بي و صنع اللّه بي كيف رحمني و ردّ أنفي صحيحا كما كان، فقام و أوقد المصباح و نظر فإذا أنف زوجته صحيح، فاستغفر إليها و تاب من ذنبه و استغفر إلى ربّه، و أمّا امرأة الحجّام فإنّها لمّا وصلت إلى منزلها تفكّرت في طلب العذر عند زوجها و أهلها في جدع أنفها و رفع الالتباس، فلمّا كان عند السّحر استيقظ الحجّام فقال لإمرأته: هاتي متاعي [٤] كلّه فإني أريد المضيّ إلى بعض الأشراف، فأتته بالموسى، فقال لها: هاتي الآلة جميعها فلم تأته إلاّ بالموسى فغضب حين أطالت التّكرار و رماها به فألقت نفسها إلى الأرض و ولولت و صاحت أنفي أنفي و جلّبت [٥]
[١] أسطوانة: عمود.
[٢] الشفرة: السكين. و الجدع: قطع الأنف.
[٣] أكبرته: عدته أمرا كبيرا. و الوثاق: الرباط.
[٤] المتاع: كل ما ينتفع به من آلة و غيرها.
[٥] جلبت: من الجلبة و هي الصياح.