كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٩١ - باب الأسد و الثور
حتى جاء أهلها و أقرباؤها فرأوها على تلك الحال فأخذوا الحجّام فانطلقوا به إلى القاضي فقال له القاضي: ما حملك على جدع أنف امرأتك، فلم تكن له حجّة يحتجّ بها، فأمر به القاضي أن يقتصّ منه، فلمّا قدّم للقصاص وافى [١] النّاسك فتقدّم إلى القاضي، و قال له: أيّها الحاكم لا يشتبهنّ عليك هذا الأمر فإنّ اللصّ ليس هو الذي سرقني، و إنّ الثّعلب ليس الوعلان قتلاه، و إنّ البغيّة ليس السّمّ قتلها، و إنّ امرأة الحجّام ليس زوجها جدع أنفها، و إنّما نحن فعلنا ذلك بأنفسنا، فسأله القاضي عن التّفسير فأخبره بالقصّة، فأمر القاضي بإطلاق الحجّام.
قال دمنة: قد سمعت هذا المثل و هو شبيه بأمري، و لعلّ ما ضرّني أحد سوى نفسي و لكن ما الحيلة؟قال كليلة: أخبرني عن رأيك و ما تريد أن تعزم عليه في ذلك، قال دمنة: أمّا أنا فلست اليوم أرجو أن تزداد منزلتي عند الأسد فوق ما كانت عليه، و لكن ألتمس أن أعود إلى ما كنت عليه، فإنّ أمورا ثلاثة العاقل جدير بالنظر فيها و الاحتيال لها بجهده، منها النّظر فيما مضى من الضّرّ و النّفع أن يحترس من الضّرّ الذي أصابه فيما سلف لئلاّ يعود إلى ذلك الضرر، و يلتمس النفع الذي مضى و يحتال لمعاودته، و منها النظر فيما هو مقيم فيه من المنافع و المضارّ و الاستيثاق [٢] مما ينفع و الهرب مما يضرّ، و منها النظر في مستقبل ما يرجو من قبل النّفع و ما يخاف من قبل الضّرّ ليستتمّ ما يرجو و يتوقّى ما يخاف بجهده، و إني لمّا نظرت في الأمر الذي به أرجو أن تعود منزلتي و ما غلبت عليه مما كنت فيه لم أجد حيلة و لا وجها إلاّ الاحتيال لآكل العشب هذا [٣] حتى أفرّق بينه و بين الحياة، فإنه إن فارق الأسد عادت لي منزلتي، و لعلّ ذلك يكون خيرا للأسد فإنّ إفراطه في تقريب الثّور خليق أن يشينه و يضرّه في أمره.
[١] وافى: جاء و أقبل.
[٢] الاستيثاق: الاعتماد.
[٣] يريد به الثور.
غ