كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٧٨ - باب القرد و الغيلم
قال: خلّفته في الشّجرة فإن شئت فارجع بي إلى الشجرة حتّى آتيك به، ففرح الغيلم بذلك و قال: لقد وافقني صاحبي بدون أن أغدر به، ثمّ رجع بالقرد إلى مكانه، فلمّا قارب السّاحل وثب القرد عن ظهره فارتقى الشّجرة. فلمّا أبطأ على الغيلم ناداه: يا خليلي احمل قلبك و انزل فقد حبستني. فقال القرد: هيهات أ تظنّ أني كالحمار الذي زعم ابن آوى أنه لم يكن له قلب و لا أذنان. قال الغيلم: و كيف كان ذلك؟
قال القرد: زعموا أنه كان أسد في أجمة [١] و كان معه ابن آوى يأكل من فضلات طعامه، فأصاب الأسد جرب و ضعف ضعفا شديدا و جهد فلم يستطع الصّيد، فقال له ابن آوى: ما بالك يا سيّد السّباع قد تغيّرت أحوالك؟قال: هذا الجرب الذي قد أجهدني و ليس له دواء إلاّ قلب حمار و أذناه. قال ابن آوى: ما أيسر هذا، و قد عرفت بمكان كذا حمارا من قصّار [٢] يحمل عليه ثيابه و أنا آتيك به، ثمّ دلف [٣] إلى الحمار فأتاه و سلّم عليه و قال: ما لي أراك مهزولا؟قال ما يطعمني صاحبي شيئا. فقال له: كيف ترضى المقام معه على هذا الحال؟قال: ما لي حيلة للهرب منه فلست أتوجّه إلى جهة إلاّ أضرّ بي إنسان فكدّني [٤] و أجاعني.
قال ابن آوى: فأنا أدلّك على مكان معزول عن النّاس لا يمرّ به إنسان خصيب المرعى فيه أتان [٥] لم تر عين مثلها حسنا و سمنا. قال الحمار: و ما يحبسنا عنها، فانطلق بنا إليها. فانطلق به نحو الأسد و تقدّم ابن آوى و دخل الغابة على الأسد و أخبره بمكان الحمار، فخرج إليه و أراد أن يثب عليه فلم يستطع لضعفه، و تخلّص الحمار منه فأفلت هلعا [٦] على وجهه. فلمّا رأى ابن آوى أنّ الأسد لم يقدر
[١] أجمة: غابة.
[٢] القصار: مبيض الثياب.
[٣] دلف: اقترب.
[٤] كدني: أتعبني.
[٥] الأتان: الحمارة.
[٦] هلعا: خائفا جدا.