كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٠٤ - باب الأسد و الثور
و فكّر في أمر الأسد ظنّ أنّ دمنة قد صدقه و نصح له و رأى أنّ الأمر شبيه بما قال دمنة، فأهمّه ذلك و قال: ما كان للأسد أن يغدر بي و لم آت إليه ذنبا و لا إلى أحد من جنده منذ صحبته و لا أظنّ الأسد إلاّ قد حمل عليّ بالكذب و شبّه عليه [١] أمري فإنّ الأسد قد صحبه قوم سوء و جرّب منهم الكذب و أمورا تصدّق عنده ما بلغه من غيرهم، فإنّ صحبة الأشرار ربّما أورثت صاحبها سوء ظنّ بالأخيار و حملته تجربته على الخطإ كخطإ البطّة التي زعموا أنها رأت في الماء ضوء كوكب فظنّته سمكة فحاولت أن تصيدها، فلمّا جرّبت ذلك مرارا علمت أنه ليس بشيء يصاد فتركته، ثمّ رأت من غد ذلك اليوم سمكة فظنّت أنها مثل الذي رأته بالأمس فتركتها و لم تطلب صيدها.
«فإن كان الأسد بلغه عنّي كذب فصدّقه عليّ و سمعه فيّ فما جرى على غيري يجري عليّ، و إن كان لم يبلغه شيء و أراد السّوء بي من غير علّة فإنّ ذلك لمن أعجب الأمور. و قد كان يقال إنّ من العجب أن يطلب الرّجل رضى صاحبه و لا يرضى. و أعجب من ذلك أن يلتمس رضاه فيسخط، فإذا كانت الموجدة [٢] عن علّة كان الرّضى موجودا و العفو مأمولا، و إذا كانت عن غير علّة انقطع الرّجاء، لأنّ العلّة إذا كانت الموجدة في ورودها كان الرّضى مأمولا في صدورها [٣] ، و قد نظرت فلا أعلم بيني و بين الأسد جرما و لا صغير ذنب و لا كبيره، و لعمري ما يستطيع أحد أطال صحبة صاحب أن يحترس في كلّ شيء من أمره و لا يتحفّظ من التّيقّظ أن لا يكون منه صغيرة و لا كبيرة يكرهها صاحبه، و لكنّ الرّجل ذا العقل و الوقاء إذا سقط عنده صاحبه سقطة نظر فيها و عرف قدر مبلغ خطئه عمدا كان أو
[١] شبه عليه: التبس عليه.
[٢] الموجدة: الغضب.
[٣] الصدور: ضد الورود.