كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٠٢ - باب الأسد و الثور
للأسد: أمّا إرسالك إلى شتربة فلا أراه لك رأيا و لا حزما، فلينظر الملك في ذلك، فإنّ شتربة متى شعر بهذا الأمر خفت أن يعاجل الملك بالمكابرة، و هو إن قاتلك قاتلك مستعدّا و إن فارقك فارقك فراقا يليك [١] منه النقص و يلزمك منه العار، مع أنّ ذوي الرّأي من الملوك لا يعلنون عقوبة من لم يعلن ذنبه، و لكنّ لكلّ ذنب عندهم عقوبة، فلذنب العلانية عقوبة العلانية و لذنب السرّ عقوبة السرّ، قال الأسد: إنّ الملك إذا عاقب أحدا عن ظنّة [٢] ظنّها من غير تيقّن بجرمه فلنفسه عاقب و إيّاها ظلم. قال دمنة: أما إذا كان هذا رأي الملك فلا يدخلنّ عليك شتربة إلاّ و أنت مستعدّ له و إيّاك أن تصيبك منه غرّة [٣] أو غفلة، فإني لا أحسب الملك حين يدخل عليه إلاّ سيعرف أنه قد همّ بعظيمة، و من علامات ذلك أنك ترى لونه متغيرا و ترى أوصاله ترعد [٤] و تراه ملتفتا يمينا و شمالا و تراه يهزّ قرنيه فعل الذي همّ بالنطاح و القتال. قال الأسد: سأكون منه على حذر و إن رأيت منه ما يدلّ على ما ذكرت علمت ما في أمره شكّ.
فلمّا فرغ دمنة من تحميل الأسد على الثور و عرف أنه قد وقع في نفسه ما كان يلتمس و أنّ الأسد سيتحذّر الثور و يتهيّأ له أراد أن يأتي الثور ليغريه بالأسد [٥] ، و أحبّ أن يكون إتيانه من قبل الأسد مخافة أن يبلغه ذلك فيتأذّى به. فقال: أيّها الملك أ لا آتي شتربة فأنظر إلى حاله و أمره و أسمع كلامه لعلّي أن أطّلع على سرّه فأطلع الملك على ذلك و على ما يظهر لي منه. فأذن له الأسد في ذلك فانطلق فدخل على شتربة كالكئيب الحزين، فلمّا رآه الثور رحّب به و قال: ما كان سبب
[١] يليك: يلحقك.
[٢] الظنة (بالكسر) : التهمة.
[٣] الغرة (بالكسر) : الغفلة.
[٤] أوصاله: مفاصله.
[٥] ليغريه بالأسد: أي يهيجه عليه.