كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٢ - باب مقدمة الكتاب
بالعلم و ليس الملوك بأغنياء عن الحكماء بالمال، و قد وجدت العلم و الحياء إلفين متآلفين لا يفترقان متى فقد أحدهما لم يوجد الآخر، كالمتصافيين [١] إن عدم منهما أحد لم يطب صاحبه نفسا بالبقاء بعده تأسفا عليه، و من لم يستحي من الحكماء و يكرمهم و يعرف فضلهم على غيرهم و يصنهم عن المواقف الواهنة [٢] و ينزّههم عن المواطن الرّذلة [٣] كان ممّن حرم عقله و خسر دنياه و ظلم الحكماء حقوقهم و عدّ من الجهّال.
ثم رفع رأسه إلى بيدبا و قال له: نظرت إليك يا بيدبا ساكتا لا تعرض حاجتك و لا تذكر بغيتك [٤] فقلت إنّ الذي أسكته هيبة ساورته [٥] أو حيرة أدركته، و تأمّلت عند ذلك في طول وقوفك و قلت لم يكن لبيدبا أن يطرقنا [٦] على غير عادة إلا لأمر حرّكه إلى ذلك، فإنه من أفضل أهل زمانه فهلاّ نسأله عن سبب دخوله، فإن يكن من ضيم ناله كنت أولى من أخذ بيده و سارع في تشريفه و تقدّم في البلوغ إلى مراده و إعزازه، و إن كانت بغيته عرضا من أعراض الدّنيا أمرت بإرضائه من ذلك فيما أحبّ و إن يكن من أمر الملك و مما لا ينبغي للملوك أن يبذلوه من أنفسهم و لا ينقادوا اليه نظرت في قدر عقوبته، على أن مثله لم يكن ليجترئ على إدخال نفسه في مسألة باب الملوك، و إن كان شيئا من أمور الرّعيّة يقصد فيه أن أصرف عنايتي إليهم نظرت ما هو، فإن الحكماء لا يشيرون إلا بالخير و الجهّال يشيرون بضدّه، و أنا قد فسحت [٧] لك في الكلام.
فلما سمع بيدبا ذلك من الملك أفرج عنه روعه [٨] و سرّي [٩] ما كان وقع في نفسه من خوفه و كفّر له و سجد ثم قام بين يديه و قال:
[١] المتصافيين: المتوادين.
[٢] الواهنة: الضعيفة.
[٣] الرذلة: الرديئة.
[٤] بغيتك: طلبك.
[٥] ساورته: غالبته و أخذت برأسه.
[٦] يطرقنا: يأتينا.
[٧] فسحت: أذنت.
[٨] أي ذهب خوفه.
[٩] سرى: زال.