كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٥٠ - باب الحمامة المطوّقة
الظّبي في الحبالة مقتنصا، فانقضّ مسرعا فأخبرهما بذلك. فقالت السّلحفاة و الغراب للجرذ: هذا أمر لا يرجى فيه غيرك فأغث أخاك. فسعى الجرذ مسرعا فأتى الظبي، فقال له: كيف وقعت في هذه الورطة و أنت من الأكياس [١] ، قال الظّبي: هل يغني الكيس مع المقادير شيئا.
فبينما هما في الحديث إذ وافتهما السّلحفاة فقال لها الظّبي: ما أصبت بمجيئك الينا فإنّ القانص لو انتهى الينا و قد قطع الجرذ الحبائل سبقته عدوا و للجرذ أجحار كثيرة و الغراب يطير و أنت ثقيلة لا سعي لك و لا حركة و أخاف عليك القانص، قالت: لا عيش مع فراق الأحبّة، و إذا فارق الأليف أليفه، فقد سلب فؤاده و حرم سروره و غشي على بصره، فلم ينته كلامها حتّى وافى القانص و وافق ذلك فراغ الجرذ من قطع الشرك. فنجا الظّبي بنفسه و طار الغراب محلّقا و دخل الجرذ بعض الأجحار و لم يبق غير السّلحفاة و دنا الصّيّاد فوجد حبالته مقطّعة فنظر يمينا و شمالا فلم يجد غير السّلحفاة تدبّ فأخذها و ربطها فلم يلبث الغراب و الجرذ و الظّبي أن اجتمعوا فنظروا القانص قد ربط السّلحفاة فاشتدّ حزنهم و قال الجرذ: ما أرانا نجاوز عقبة [٢] من البلاء إلاّ صرنا في أشدّ منها. و لقد صدق الذي قال لا يزال الإنسان مستمرّا في إقباله ما لم يعثر فإذا عثر لجّ به [٣] العثار و إن مشى في جدد [٤] الأرض. و حذري على السّلحفاة خير الأصدقاء التي خلتها ليست للمجازاة و لا لالتماس مكافأة و لكنّها خلّة الكرم و الشرف، خلة هي أفضل من خلّة الوالد لولده، خلّسة لا يزيلها إلاّ الموت، ويح [٥] لهذا الجسد الموكّل به
[١] الأكياس جـ كيس: و هو الفطن.
[٢] أرانا: أي أرى أنفسنا. عقبة: الأصل فيها الطريق الصعبة في الجبل.
[٣] لج به: تمادى.
[٤] الجدد: الأرض المستوية.
[٥] ويح: كلمة رحمة يقال ويح لزيد و ويحا له، رفعه على الابتداء و نصبه بإضمار فعل.