كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١١٩ - باب الفحص عن أمر دمنة
في النميمة و استعمالها مع الكذب و البهتان [١] في حقّ الخاصّة و عرف النمر عصيان دمنة و ترك القبول له فوقف يسمع ما يجري بينهما، فكان فيما قال كليلة لدمنة: لقد ارتكبت مركبا صعبا و دخلت مدخلا ضيّقا و جنيت على نفسك جناية موبقة [٢] و عاقبتها وخيمة، و سوف يكون مصرعك شديدا [٣] إذا انكشف للأسد أمرك و اطّلع عليه و عرف غدرك و محالك [٤] و بقيت لا ناصر لك، فيجتمع عليك الهوان و القتل مخافة شرّك و حذرا من غوائلك فلست بمتّخذك بعد اليوم خليلا و لا مفش لك سرّا، لأنّ العلماء قد قالوا: تباعد عمّن لا رغبة لك فيه، و أنا جدير بمباعدتك و التماس الخلاص لي ممّا وقع في نفس الأسد من هذا الأمر، فلمّا سمع النّمر هذا من كلامهما قفل راجعا فدخل على أمّ الأسد فأخذ عليها العهود و المواثيق أنها لا تفشي ما يسرّ إليها فعاهدته على ذلك، فأخبرها بما سمع من كلام كليلة و دمنة، فلمّا أصبحت دخلت على الأسد فوجدته كئيبا حزينا مهموما لما ورد عليه من قتل شتربة. فقالت له: ما هذا الهمّ الذي قد أخذ منك [٥] و غلب عليك؟قال: يحزنني قتل شتربة إذا تذكّرت صحبته و مواظبته معي و ما كنت أسمع من نصيحته و أسكن إليه [٦] من مشاورته و أقبل من مناصحته. قالت أمّ الأسد: إنّ أشدّ ما شهد امرؤ على نفسه، و هذا خطأ عظيم كيف أقدمت على قتل الثّور بلا علم و لا يقين و لو لا ما قالت العلماء، من إذاعة الأسرار و ما فيها من الإثم و الشّنار [٧] لذكرت لك و أخبرتك بما علمت، قال الأسد:
إنّ أقوال العلماء لها وجوه كثيرة و معان مختلفة و إني لأعلم صواب ما تقولين و إن كان عندك رأي فلا تطويه عني، و إن كان قد أسرّ إليك أحد سرّا فأخبريني به و أطلعيني
[١] البهتان: الافتراء.
[٢] موبقة: مهلكة.
[٣] محالك: كيدك.
[٤] أسكن اليه: أطمئن.
[٥] مصرعك: مقتلك.
[٦] أخذ منك: أي اشتد عليك.
[٧] الشنار: العيب و العار.