كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٦٩ - باب البوم و الغربان
على نفسه لم يجزع من شدّة الصبر عليه لما يرجو من أن يعقبه صبره حسن العاقبة و كثير الخير، فلم يجد لذلك ألما و لم تكره نفسه الخضوع لمن هو دونه حتى يبلغ حاجته فيغتبط [١] بخاتمة أمره و عاقبة صبره. فقال الملك: أخبرني عن عقول البوم. قال الغراب: لم أجد فيهنّ عاقلا إلاّ الذي كان يحثّهنّ على قتلي و كان يحرّضهنّ على ذلك مرارا فكنّ أضعف شيء رأيا فلم ينظرن في أمري و يذكرن أني قد كنت ذا منزلة في الغربان، و أني أعدّ من ذوي الرّأي، و لم يتخوّفن مكري و حيلتي و لا قبلن من النّاصح الشّفيق و لا أخفين دوني أسرارهنّ.
و قد قالت العلماء ينبغي للملك أن يحصّن أموره من أهل النّميمة و لا يطلع أحدا منهم على مواضع سرّه، فقال الملك: ما أهلك البوم في نفسي إلاّ البغي و ضعف رأي الملك و موافقته وزراء السّوء. فقال الغراب: صدقت أيّها الملك إنّه قلّما ظفر أحد بغنى و لم يطغ [٢] ، و قلّما حرص الرّجل على النّساء و لم يفتضح، و قلّ من وثق بوزراء السّوء و سلم من أن يقع في المهالك، و كان يقال لا يطمعنّ ذو الكبر [٣] في حسن الثناء، و لا الخبّ في كثرة الصديق، و لا السيّئ الآداب في الشرف، و لا الشّحيح في البرّ، و لا الحريص في قلّة الذنوب، و لا الملك المختال [٤] المتهاون بالأمور الضّعيف الوزراء في ثبات ملكه و صلاح رعيّته.
قال الملك: لقد احتملت مشقّة شديدة في تصنّعك للبوم و تضرّعك إليهنّ.
قال الغراب: إنّه من احتمل مشقّة يرجو نفعها و نحّى [٥] عن نفسه الأنفة و الحميّة و وطّنها على الصبر حمد غبّ [٦] رأيه كما صبر الأسود [٧] على حمل ملك الضّفادع
[١] فيغتبط: فيسر.
[٢] يطغ: يجاوز الحد.
[٣] الكبر: الكبرياء و العظمة.
[٤] المختال: المخادع.
[٥] نحى: أبعد.
[٦] غب رأيه: أي عاقبته.
[٧] الأسود: الحية العظيمة.