كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٠٤ - باب اللّبوءة و الإسوار و الشّغبر
باب اللّبوءة و الإسوار و الشّغبر [١]
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي مثلا في شأن من يدع ضرّ غيره إذا قدر عليه بما يصيبه من الضرر و يكون له فيما ينزل به واعظ و راجز عن ارتكاب الظلم و العداوة لغيره.
قال الفيلسوف: إنّه لا يقدم على طلب ما يضرّ بالناس و ما يسوؤهم إلاّ أهل الجهالة و السّفه و سوء النّظر في العواقب من أمور الدّنيا و الآخرة، و قلّة العلم بما يدخل عليهم في ذلك من حلول النّقمة و بما يلزمهم من تبعة ما اكتسبوا ممّا لا تحيط به العقول، و إن سلم بعضهم من ضرر بعض بمنيّة عرضت له قبل أن ينزل به وبال ما صنع، فإنّ من لم يفكّر في العواقب لم يأمن المصائب و حقيق أن لا يسلم من المعاطب، و ربّما اتّعظ الجاهل و اعتبر بما يصيبه من المضرّة من الغير فارتدع عن أن يغشى [٢] أحدا بمثل ذلك من الظّلم و العدوان و حصل نفع ما كفّ عنه من ضرره لغيره في العاقبة. فنظير ذلك حديث اللّبوءة و الإسوار و الشّغبر. قال الملك: و كيف كان ذلك؟
قال الفيلسوف: زعموا أنّ لبوءة كانت في غيضة و لها شبلان [٣] و أنّها خرجت في
[١] اللبوءة (بضم الباء) : الأنثى من الأسود و الهاء فيها لتأكيد التأنيث و سكون الباء مع الهمزة إبداله واوا لغتان فيها.
و الإسوار (بالكسر و الضم) : الجيد الرمي بالسهام. و الشغبر كما في القاموس: ابن آوى.
[٢] غشى من غشيته أغشاه: أتيته.
[٣] شبلان مثنى شبل: ولد الأسد.