كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١١٢ - باب الأسد و الثور
على الأرض فماتت.
قال الذّكر: قد سمعت مقالتك فلا تخافي وكيل البحر. فلمّا مدّ الماء ذهب بفراخهما، فقالت الأنثى: قد عرفت في بدء الأمر أنّ هذا كائن، قال الذّكر: سوف أنتقم منه، ثمّ مضى إلى جماعة الطير، فقال لهنّ: إنّكنّ أخواتي و ثقاتي فأعنّني.
قلن: ما ذا تريد أن نفعل؟قال: تجتمعن و تذهبن معي إلى سائر الطير فنشكو إليهنّ ما لقيت من وكيل البحر و نقول لهنّ إنّكنّ طير مثلنا فأعنّنا، فقالت له جماعة الطّير: إنّ العنقاء هي سيّدتنا و ملكتنا فاذهب بنا إليها حتى نصيح بها، فتظهر لنا فنشكو إليها ما نالك من وكيل البحر و نسألها أن تنتقم لنا منه بقوّة ملكها، ثمّ إنهنّ ذهبن إليها مع الطّيطوى فاستغثن إليها و صحن بها فتراءت لهنّ فأخبرنها بقصّتهنّ و سألنها أن تصير معهنّ إلى محاربة وكيل البحر، فأجابتهنّ إلى ذلك، فلمّا علم وكيل البحر أنّ العنقاء قصدته في جماعة الطير خاف من محاربة ملك لا طاقة له به فردّ فراخ الطّيطوى و صالحه فرجعت العنقاء عنه.
و إنّما حدّثتك بهذا الحديث لتعلم أنّ القتال مع الأسد لا أراه لك رأيا، قال شتربة: فما أنا بمقاتل الأسد و لا ناصب له العداوة سرّا و لا علانية و لا متغيّر له عمّا كنت عليه حتى يبدو لي منه ما أتخوّف فأغالبه.. فكره دمنة قوله و علم أنّ الأسد إن لم ير من الثور العلامات التي كان ذكرها له اتّهمه و أساء به الظّنّ. فقال دمنة لشتربة:
اذهب إلى الأسد فستعرف حين ينظر إليك ما يريد منك. قال شتربة: و كيف أعرف ذلك؟قال دمنة: سترى الأسد حين تدخل مقعيا [١] على ذنبه رافعا صدره إليك مادّا بصره نحوك قد صرّ أذنيه و فغر فاه [٢] و استوى للوثبة، قال شتربة: إن رأيت هذه
[١] مقعيا: من أقعى إقعاء إذا ألصق أليتيه بالأرض و نصب ساقيه و وضع يديه على الأرض كجلوس الكلب.
[٢] فغر فاه: فتح فمه.