كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١١٤ - باب الأسد و الثور
عليه فقال له: لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم، فإنّ الحجر المانع [١] الذي لا ينقطع لا تجرّب عليه السّيوف و العود الذي لا ينحني لا تعمل منه القوس فلا تتعب، فأبى الطائر أن يطيعه و تقدّم إلى القردة ليعرّفهم أنّ اليراعة ليست بنار فتناوله بعض القردة، فضرب به الأرض فمات، فهذا مثلك معي في ذلك، ثمّ قد غلب عليك الخبّ و الفجور و هما خلّتا سوء و الخبّ شرّهما عاقبة، و لهذا مثل، قال دمنة: و ما ذلك المثل؟
قال كليلة: زعموا أنّ خبّا [٢] و مغفّلا اشتركا في تجارة و سافرا، فبينما هما في الطريق تخلّف المغفّل لبعض حاجته فوجد كيسا فيه ألف دينار فأخذه، فأحسّ به الخبّ فرجعا إلى بلدهما حتى إذا دنوا من المدينة قعدا لاقتسام المال، فقال المغفّل خذ نصفه و اعطني نصفه، و كان الخبّ قد قرّر في نفسه أن يذهب بالألف جميعه. فقال له: لا نقتسم فإنّ الشركة و المفاوضة أقرب إلى الصّفاء و المخالطة و لكن آخذ نفقة و تأخذ مثلها و ندفن الباقي في أصل هذه الشجرة فهو مكان حريز، فإذا احتجنا جئنا أنا و أنت فنأخذ حاجتنا منه و لا يعلم بموضعنا أحد، فأخذا منه يسيرا و دفنا الباقي في أصل دوحة [٣] و دخلا البلد، ثمّ إنّ الخبّ خالف المغفّل إلى الدّنانير فأخذها و سوّى الأرض كما كانت، و جاء المغفّل بعد ذلك بأشهر، فقال للخبّ قد احتجت إلى نفقة فانطلق بنا نأخذ حاجتنا فقام الخبّ معه و ذهبا إلى المكان فحفرا فلم يجدا شيئا، فأقبل الخبّ على وجهه يلطمه و يقول لا تغترّ بصحبة صاحب خالفتني إلى الدّنانير فأخذتها، فجعل المغفّل يحلف و يلعن آخذها و لا يزداد الخبّ إلاّ شدّة في اللّطم و قال: ما أخذها غيرك و هل شعر بها أحد سواك، ثمّ طال ذلك بينهما
[١] المانع: الصلب.
[٢] الخب (بالكسر) : الخداع. و خبا: خداعا (يفتح و يكسر) .
[٣] الدوحة: الشجرة العظيمة جمعها دوح.