كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١١٣ - باب الأسد و الثور
العلامات من الأسد عرفت صدقك في قولك.
ثمّ انّ دمنة لما فرغ من تحميل الأسد على الثور و الثور على الأسد توجّه إلى كليلة، فلما التقيا قال كليلة: إلام انتهى عملك الذي كنت فيه؟قال دمنة: قريب من الفراغ على ما أحبّ و تحبّ، ثمّ انّ كليلة و دمنة انطلقا جميعا ليحضرا قتال الأسد و الثور و ينظرا ما يجري بينهما و يعاينا ما يؤول إليه أمرهما، و جاء شتربة فدخل على الأسد فرآه مقعيا كما وصفه له دمنة، فقال: ما صاحب السّلطان إلاّ كصاحب الحيّة التي في صدره لا يدري متى تهيج به، ثم انّ الأسد نظر إلى الثور فرأى الدّلالات التي ذكرها له دمنة فلم يشكّ أنه جاء لقتاله فواثبه و نشأ بينهما الحرب و اشتدّ قتال الثور و الأسد و طال و سالت بينهما الدّماء، فلمّا رأى كليلة أنّ الأسد قد بلغ منه ما بلغ قال لدمنة: إنّما السّلطان بأصحابه و البحر بأمواجه، و ما عظتي و تأديبي إيّاك كما قال الرّجل للطّائر: لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم و لا تعالج تأديب ما لا يتأدّب. قال دمنة: و كيف كان ذلك؟
قال كليلة: زعموا أنّ جماعة من القردة [١] كانوا سكانا في جبل، فالتمسوا في ليلة باردة ذات رياح و أمطار نارا فلم يجدوا، فرأوا يراعة [٢] تطير كأنها شرارة نار فظنّوها نارا و جمعوا حطبا كثيرا فألقوه عليها، و جعلوا ينفخون طمعا في أن يوقدوا نارا يصطلون [٣] بها من البرد، و كان قريبا منهم طائر على شجرة ينظرون إليه و ينظر إليهم و قد رأى ما صنعوا فجعل يناديهم و يقول: لا تتعبوا فإنّ الذي رأيتموه ليس بنار، فلمّا طال عليه ذلك عزم على القرب منهم لينهاهم عمّا هم فيه، فمرّ به رجل فعرف ما عزم
[١] القردة جـ قرد.
[٢] يراعة: ذبابة تطير بالليل كأنها نار جمعها يراع.
[٣] يصطلون: يتدفئون.