كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٤٦ - باب الحمامة المطوّقة
الأسفار البعيدة في طلب الدّنيا أهون عليّ من بسط اليد إلى السّخيّ بالمال، و لم أر كالرضى شيئا.
و وجدت العلماء قد قالوا لا عقل كالتّدبير و لا ورع ككفّ الأذى و لا حسب [١] كحسن الخلق و لا غنى كالرّضى، و أحقّ ما صبّر الإنسان على الشيء نفسه، و أفضل البرّ الرّحمة، و رأس المودّة الاسترسال [٢] و رأس العقل معرفة ما يكون ممّا لا يكون، و قالوا الخرس خير من اللسان الكذوب، و الضرّ [٣] و الفقر خير من النّعمة و السّعة من أموال النّاس، فصار أمري إلى أن رضيت و قنعت و انتقلت من بيت النّاسك إلى البرّيّة، و كان لي صديق من الحمام فسيقت إليّ بصداقته صداقة الغراب، ثمّ ذكر لي الغراب ما بينك و بينه من المودّة و أخبرني أنه يريد إتيانك فأحببت أن آتيك معه و كرهت الوحدة فإنه لا شيء من سرور الدّنيا يعدل صحبة الإخوان و لا غمّ فيها يعدل البعد عنهم، و جرّبت فعلمت أنّه لا ينبغي للعاقل أن يلتمس من الدّنيا غير الكفاف الذي يدفع به الأذى عن نفسه و هو اليسير من المطعم و المشرب إذا أعين بصحّة و سعة، و لو أنّ رجلا وهبت له الدّنيا بما فيها لم يكن ينتفع من ذلك إلاّ بالقليل الذي يدفع به عن نفسه الحاجة فأقبلت مع الغراب إليك على هذا الرّأي و أنا لك أخ فلتكن منزلتي عندك كذلك.
فلمّا فرغ الجرذ من كلامه أجابته السّلحفاة بكلام رقيق و قالت: قد سمعت كلامك و ما أحسن ما تكلّمت به، إلاّ أنّي رأيتك تذكر بقايا أمور هي في نفسك من
[١] الحسب (بفتحتين) : ما يعد من المآثر و المفاخر، قال ابن السكيت: الحسب و الكرم يكونان في الإنسان و إن لم يكن لآبائه شرف، و رجل حسيب كريم بنفسه. و أما المجد و الشرف فلا يوصف بهما الشخص إلا إذا كانا فيه و في آبائه. و قال الأزهري: الحسب الثابت له و لآبائه.
[٢] الاسترسال: أي حسن الثقة بالصديق و الاطمئنان إليه و الدلالة عليه.
[٣] الضر (بالضم) : الفاقة و الفقر.