كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٠٣ - باب الأسد و الثور
انقطاعك عنّي فإني لم أرك منذ أيام أ سلامة هي؟قال دمنة: و متى كان من أهل السّلامة من لا يملك نفسه و أمره بيد غيره ممن لا يوثق به، و لا ينفكّ على خطر و خوف حتى ما من ساعة تمرّ و يأمن فيها على نفسه، قال شتربة: و ما الذي حدث؟قال دمنة: حدث ما قدّر و هو كائن، و من ذا الذي غالب القدر، و من ذا الذي بلغ من الدّنيا جسيما من الأمور فلم يبطر، و من ذا الذي بلغ مناه فلم يغترّ، و من ذا الذي تبع هواه فلم يخسر، و من ذا الذي طلب من اللّئام فلم يحرم، و من ذا الذي خالط الأشرار فسلم، و من ذا الذي صحب السلطان فدام له منه الأمن و الإحسان، و لقد صدق الذي قال: مثل السلاطين في قلّة وفائهم لمن صحبهم و سخاء أنفسهم بمن فقدوا من قرنائهم كمثل البغيّ كلّما فقدت واحدا جاء آخر، قال شتربة: إني أسمع منك كلاما يدلّ على أنه قد رابك من الأسد ريب و هالك [١] منه أمر، قال دمنة: أجل [٢] لقد رابني منه ذلك و ليس هو في أمر نفسي، قال شتربة: ففي نفس من رابك؟قال دمنة: قد تعلم ما بيني و بينك و تعلم حقّك عليّ، و ما كنت جعلت لك من العهد و الميثاق أيام أرسلني الأسد إليك، فلم أجد بدّا من حفظك و اطلاعك على ما اطّلعت عليه مما أخاف عليك منه. قال شتربة:
و ما الذي بلغك؟قال دمنة: حدّثني الخبير الصّدوق الذي لا مرية [٣] في قوله أنّ الأسد قال لبعض أصحابه و جلسائه قد أعجبني سمن الثّور و ليس لي إلى حياته حاجة فأنا آكله و مطعم أصحابي من لحمه، فلمّا بلغني هذا القول و عرفت غدره و سوء عهده أقبلت إليك لأقضي حقّك و تحتال أنت لأمرك.
فلمّا سمع شتربة كلام دمنة و تذكّر ما كان دمنة جعل له من العهد و الميثاق
[١] رابك: أحدث فيك ريبة. و هالك: أخافك.
[٢] أجل: نعم.
[٣] لا مرية: لا شك.