كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٣٩ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
و المملكة ما استخصّني به الملك و رآني أهلا له و نوّه باسمي [١] فليفعل ذلك منعما على العبد الطائع. فقال الملك: يا برزويه قد رأيتك لذلك أهلا و أجبتك إلى ما طلبت، و أذنت لك فيما سألت، فافعل من ذلك حسب ما تراه موافقا لك منوّها باسمك، ثمّ خرج برزويه من بين يدي الملك فرحا مسرورا و أعدّ له الملك يوما أمر أن يجمع له فيه أهل مملكته و خواصّ أمراء دولته، ثمّ أمر أن ينصب له منبر فنصب ورقي عليه برزويه ثمّ قال:
«أمّا بعد فإنّ اللّه تبارك و تعالى خلق الخلق برحمته، و منّ على عباده بفضله و كرمه، و رزقهم من العقل ما يقدرون به على إصلاح معايشهم [٢] في الدّنيا و يدركون به استنقاذ [٣] أرواحهم من العذاب في الآخرة، و أفضل ما رزقهم اللّه تعالى و منّ به عليهم العقل الذي هو الدّعامة لجميع الأشياء، و الذي لا يقدر أحد في الدّنيا على إصلاح معيشته و لا إحراز [٤] نفع و لا دفع ضرر إلاّ بفيضه من الخالق المبدع الواحد الأحد، و كذلك طالب الآخرة الزّاهد المجتهد في العمل المنجي به نفسه من عماية [٥] الضلال لا يقدر على إتمام عمله و إكماله و لا يتمّ ذلك إلاّ بالعقل الذي هو السّبب الموصّل إلى كلّ خير و المفتاح لكلّ سعادة و المبلّغ إلى دار الخلود، فليس لأحد عنه غنى و لا بغيره اكتفاء، و العقل غريزيّ [٦] مطبوع و يتزايد بالتّجارب و الآداب، و غريزته مكنونة في الإنسان كامنة فيه كمون النّار في الحجر فإنّ النار طبيعتها فيه كامنة لا تظهر و لا يرى ضوؤها حتى يقدحها قادح من غيرها، فإذا قدحها ظهرت طبيعتها بضوئها و حريقها، و كذلك العقل كامن في الإنسان لا يظهر حتى يظهره الأدب و تعضده التجارب [٧] فإذا استحكم كان أولى
[١] نوه باسمي: أي رفع ذكره و عظّمه.
[٢] معايشهم: جمع معيشة و هي مكسب الانسان الذي يعيش به.
[٣] استنقاذ: من أنقذ الشيء إذا خلصه منه.
[٤] احراز: من أحرز الشيء إذا ضمه إليه.
[٥] العماية: الغواية و هي ضد الهداية.
[٦] الغريزة: الطبيعة.
[٧] تعضده: تعينه. و التجارب: جمع تجربة.