كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٤٠ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
بالتّجارب لأنّه هو المقوّي لكلّ فضيلة و المعين على دفع كلّ رذيلة فلا شيء أفضل من العقل إذا منّ اللّه تعالى على عبده به و أعانه على نفسه بالمواظبة على طرق الأدب و العلم و الحرص على ذلك، و من رزق العقل و منّ به عليه و أعين على صدق قريحته بالأدب حرص على طلب سعد جدّه [١] و أدرك في الدّنيا أمله و حاز في الآخرة ثواب الصّالحين، فالعقل هو المقوّي للملك على ملكه فإنّ السّوقة [٢] و العوامّ لا يصلحون إلاّ بإضافة ينبوع العدل الفائض عن العقل لأنّه سياج الدولة.
و قد رزق اللّه ملكنا السعيد كسرى أنو شروان من العقل أفضل الحظّ و أجزله، و من العلم أجمله و أكمله، و من المعرفة بالأمور أصوبها، و سدّده [٣] من الأفعال إلى أسدّها، و من البحث عن الأصول و الفروع إلى أنفعها، و بلّغه من فنون اختلاف العلم و بلوغ منزلة الفلسفة ما لم يبلغه ملك قطّ من الملوك قبله، و كان هو القابل لذلك بجودة المادّة القابلة لانطباع الصّور، فبلغ بذلك الرّتبة القصوى [٤] في الفصل على من مضى من الملوك قبله، حتى كان فيما طلب و بحث عنه وسمت إليه نفسه من العلم أن بلغه عن كتاب بالهند من كتب فلاسفتها و علمائها مخزون عند ملوكهم علم أنّه أصل كلّ أدب، و رأس كلّ علم و الدليل على كلّ منفعة و مفتاح عمل الآخرة و علمها و معرفة النّجاة من أهوالها و المقوّي على جميع الأمور و المعين على ما يحتاج إليه الملوك في تدبيرهم لأمور ممالكهم و آداب السّوقة فيما يرضون به ملوكهم و يصلحون به معايشهم و هو كتاب كليلة
[١] جده: حظه.
[٢] السوقة: بالضم الرعية للواحد و الجمع و المذكر و المؤنث، و قولهم رجل سوقة ليس المراد انه من أهل الأسواق كما تظنه العامة بل السوقة عند العرب خلاف الملك قال الشاعر:
فبينا نسوس الناس و الأمر أمرنا # اذا نحن فيهم سوقة نتنصب
و ربما جمعت على سوق مثل غرفة و غرف.
[٣] السداد: بالفتح الصواب من القول و الفعل.
[٤] القصوى: العليا.