كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٣٨ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
في الأدب مواظبا على الطّبّ أو الفلسفة فيأتوه به، فخرج أهل مشورته و وزراؤه مسرعين فبحثوا عمّن هذه صفته فوجدوه و ظفروا به فإذا هو شابّ جميل الوجه كامل العقل و الأدب ذو حسب و صناعة شريفة يعرف بها و هي الطّبّ، و كان ماهرا بالفارسيّة و الهنديّة و هو برزويه ابن أزهر الفيلسوف، و كان من فضلاء أطبّاء فارس، فأحضر بين يدي الملك كسرى فخرّ ساجدا و عفّر [١] وجهه طائعا للملك، فقال له الملك: إني قد اخترتك لما بلغني من فضلك و علمك و عقلك و حرصك على طلب العلم حيث كان... و قد بلغني عن كتاب بالهند مخزون في خزائنهم، و قصّ عليه قصته و ما بلغه عنه، و قال له: تجهّز فإني مرحّلك إلى أرض الهند، فتلطّف في ذلك بعقلك و حسن أدبك و نافذ رأيك لاستخراج هذا الكتاب من خزائنهم و من قبل [٢] علمائهم و حكمائهم تامّا كاملا مكتوبا بالفارسيّة فتستفيده أنت و تفيدنا إيّاه، و ما قدرت عليه من كتب الهند ممّا ليس في خزائننا منه شيء فاحمله معك و قد أمرنا أن يطلق لك من أموالنا ما تختار و تحتاج إليه، فإذا نفذ ما تستصحبه فاكتب إلينا نمدّك [٣] بالمال و إن كثرت فيه النّفقة فإنّ جميع ما في خزائننا مبذول لك في طلب العلوم و هذا الكتاب، فطب نفسا و قرّ [٤] عينا و عجّل في ذلك و لا تقصّر في طلب العلوم و اعمل على مسيرك إن شاء اللّه تعالى.
قال برزويه: أيّها الملك عشت دهرا طويلا سعيدا و ملّكت الأقاليم السبعة في خفض ودعة [٥] مؤيّدا منصورا، إنما أنا عبد من عبيدك و سهم من سهامك فليرم بي الملك حيث شاء من الأرض، من بعد أن يأذن الملك أدام الله أيّامه في غبطة و سرور أن يعقد لي مجلسا قبل سفري يحضره الخواصّ ليعلم أهل الطاعة
[١] عفر وجهه: مرغه.
[٢] قبل: جهة.
[٣] نمدك: نعينك و نقويك.
[٤] قر عينا.. من قرت العين قرة (بالضم) : بردت سرورا.
[٥] الخفض: الدعة و هي سعة العيش و راحته.
غ