كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٤٨ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
خزائن الكسوة و خلع عليه و حمّل بين يديه جميع ذلك، ثمّ إنّ الملك ألبسه التّاج و أجلسه على سريره تشريفا له و زيادة في إجلاله، و لما تمّ لبرزويه ذلك خرّ ساجدا للملك و قال:
«أكرم اللّه الملك بأفضل الكرامات بزيادته في دنياه و أخراه، و خلّد ملكه و ثبّت وطأته [١] و شيّد مباني مجده إنّ اللّه وليّ الحمد قد أغناني عن المال بما بلغت من الرتبة العليّة السّنيّة و البغية و الأمنية بما رزقني من تشريف ملك الملوك للعبد الذّليل، لكن إذا كلّفني الملك ذلك و علمت أنه يسرّه فأنا آخذ ممّا أمر لي به امتثالا لأمره و طلبا لمرضاته.. و قام فأخذ منها تختا [٢] من طرائف خراسان من ملابس الملوك. ثمّ قال للملك إنّ الإنسان إذا منحه اللّه تعالى عقلا وافرا و علما راجحا و خلقا رحبا و دينا صلبا [٣] و نيّة سالمة من العاهات [٤] فليشكر الصّانع الأزليّ سرمدا [٥] على ما وهبه من ذلك من غير استحقاق يستحقّه و لا مقدّمة سبقت له، و إنّ الإنسان إذا أكرم وجب عليه الشّكر و إن كان قد استوجبه تعبا و مشقّة، و أمّا أنا فمهما لقيته من عناء و تعب لما أعلم أنّ لكم فيه الشّرف يا أهل هذا البيت فإني لا أزال إلى هذا اليوم تابعا رضاكم أرى العسير فيه يسيرا و الشّاقّ هيّنا و النّصب [٦] و الأذى سرورا و لذّة، لما أعلم أنّ لكم فيه رضا و عندكم قربة [٧] ، و لكنّي أسألك أيّها الملك حاجة تسعفني بها و تعطيني فيها سؤلي فإنّ حاجتي يسيرة و في قضائها فائدة كثيرة. قال أنو شروان: قل فكلّ حاجة لك قبلنا مقضيّة فإنّك عندنا عظيم و لو طلبت مشاركتنا في ملكنا لفعلنا و لم نردد طلبتك فكيف ما سوى ذلك فقل و لا تحتشم [٨] فإنّ الأمور كلها مبذولة لك. قال برزويه: أيها الملك لا تنظر إلى عنائي
[١] ثبت وطأته: أي مكّن سلطته.
[٢] التخت: وعاء يصان فيه الثياب.
[٣] صلبا: متينا.
[٤] العاهات: جمع عاهة و هي الآفة.
[٥] سرمدا: دائما.
[٦] النصب: التعب.
[٧] قربة: أي قربة في المنزلة.
[٨] تحتشم: تختجل.